الجزء السابع
الجزء ٨ · صفحة ١٩19
كتاب الزكاة
لا محالة عَلَى ما قاله - عليه الصلاة والسلام -: «جُبِلَت القُلُوبُ عَلَى حُبِّ
6
مَن أَحسَنَ إِلَيْهَا، وَبُعْض مَن أَسَاءَ إِلَيْهَا» (1)، فَالفقراء إذا علموا أن الغني يصرف إليهم طائفة من ماله وأنَّه كُلّما كان ماله أكثر والذي يصرفه إليهم من ذَلِكَ أكثر أمدوه بالدعاء، وللقلوب، آثار وللأرواح حرارة؛ فصارت تلك الدعوات سبباً لبقاء ذَلِكَ الإنسان في الخير والخصب بقوله ـ عليه الصلاة والسلام -: «حَصِّنُوا أَمْوَالَكُم بِالزَّكَاةِ» (2).
6
ومنها: أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء، فإن الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه، إلا أنه يتوسل به إِلَى الاستغناء عن غيره. فأمَّا الاستغناء عن / 13/ الشيء فهو الغني التام، ولذلك كان الاستغناء عن الشيء صفة الحَقِّ، والاستغناء بالشيء صفة الخلق، فالله سبحانه لَمَّا أعطى بعض عبيده أموالاً كثيرة فقد رزقه نصيباً وافراً من باب الاستغناء بالشيء، فإذا أمره بالزكاة كان المقصود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء إلى المقام الذي هو أعلى منه وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء.
وَمِنها: أن المال سريع الزوال، مشرف على التفرق، متحقق الذهاب، فما دام في يده فهو كالمشرف عَلَى الهلاك والتفرق، فإذا أنفقه في وجوه البر والخير والمصالح بقي بقاء لا يُمكن زواله، فإنَّه يوجب المدح الدائم في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة.
(1) رواه القضاعي في مسند الشهاب، عن أنس بلفظه، ر 598، 350/ 1. وأخرجه العجلوني عن ابن مسعود بلفظه: كشف الخفاء ر 1063، 396/ 1.
(2) رواه الطبراني في الكبير، عن عبد الله بن مسعود بلفظه، (10196، 128/ 10. والبيهقي في الشعب، عن أبي أمامة بلفظه، ر 3557، 2823. وأخرجه الهيثمي: مجمع الزوائد،
63/ 3