الجزء السابع
الجزء ٨ · صفحة ٤٠معارج الآمال - الجزء السابع
وَلَمْ يعب عليهم أبو ذر رجاءهم لعبد الرحمن الخير عَلَى الصدقة، وإقراء الضيف وَإِنَّمَا عاب عليهم رجاءهم له عَلَى ترك المال، والقطع عَلَى الله بذلِكَ، كما صرح به كلامه - رحمة الله عليه ـ. / 35/
وقال الأحنف بن قيس: كنت في نفر من قريش فمر أبو ذر فقال: بشِّر الكانزين بكيّ في ظهورهم يخرج من جنوبهم، وبكي في أقفائهم يخرج من جباههم. وفي رواية: «أَنَّهُ يُوضعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِم فَيَخْرُجُ مِن نَفْضِ كَتِفَيهِ، ويُوضَع عَلَى نَفْضِ كَتِفَيهِ حَتَّى يَحْرُجَ مِن حَلَمَةِ
تَدْيَيْهِ ويَتزَلزَل»
أن
وَقِيلَ: إن الحكمة في تخصيص الجباه والجنوب والظهور بالكي السائل إذا رآه صاحب المال مقبلاً عَلَيهِ انتصبت أسارير وجهه ـ وهي الخطوط التي في جبهة الإنسان - وقطب - وهو المعتاد في الإنسان إذا رأى ما يكره رؤيته ـ فكوى الله بذَلِكَ المَال جبهته، فإن السائل يعرف ذَلِكَ في وجهه فيجد في قلبه ألماً لذَلِكَ، وإذا رأى السائل قد أقبل تمعر وجهه وأعطاه جانبه، وتغافل عنه عسى يرجع عنه، ولا يواجهه بالسؤال فكوى الله به جنبه، فإذا علم من السائل أنَّه يقصده وَلَابُدَّ أعطاه ظهره وسارع كأَنَّه لم يره وكأنه يريد يفعل شغلاً عرض له، ولا يخفى ذَلِكَ عَلَى الله فيرجع السائل محروماً فكوى الله ظهره، فلذا خص الجباه والجنوب والظهور بالكي. احْتَجَّ أرباب القول الأَوَّل: بعموم قوله تَعَالَى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا
مَا اكْتَسَبَتْ، فإن ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أن كُلّ ما كسبه الإنسان فهو حقه.
(1) رواه أبو نعيم المسند المستخرج عَلَى صحيح مسلم عن الأحنف بن قيس موقوفاً بألفاظ قريبة، ر 2236، 73/ 3.