الجزء السابع
الجزء ٨ · صفحة ٦٣٧كتاب الزكاة
637
واحداً، وهو الله سبحانه واليوم الآخر، وهو المعني بقوله تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (1)، ولكن لَمّا اقتضت الحكمة أن يسلّط على العبد الشهوات والحاجات وهي تفرق همه اقتضى الكرم إفاضة نعمة تكفي الحاجات، فأكثر الأموال، وصبها في أيدي عباده لتكون آلة لهم في دفع حاجاتهم، ووسيلة لتفرّغهم لطاعاتهم، فمنهم من أكثر ماله فتنة وبلية فأقحمه في الخطر، ومنهم من أحبّه فحماه عن الدنيا كما يحمي مريضه فزوى عنه، فضولها، وساق إليه قدر حاجته على يد الأغنياء؛
6
المشفق
ليكون سهل الكسب والتعب في الجمع والحفظ عليهم، وفائدته تنصب إلى الفقراء فيتجرّدون لعبادة الله والاستعداد لما بعد الموت، فلا تصرفهم عنها فضول الدنيا، ولا تشغلهم عن التأهب الفاقة، وهذا منتهى النعمة، فحق الفقير أن يعرف قدر نعمة الفقر ويتحقق أنّ فضل الله عليه في ما زواه عنه أكثر من فضله في ما أعطاه فليأخذ ما يأخذه من الله - سبحانه - رزقاً له، وعوناً له على الطاعة، ولتكن نيته أن يتقوى به على طاعة الله، فإن لم يقدر عليه فليصرفه إلى ما أباحه الله، فإن استعان به على معصية الله كان كافراً لأنعم الله، مستحقاً للبعد والمقت من الله تعالى.
ثُمَّ يشكر المعطي، ويدعو له، ويثني عليه، ويكون شكره ودعاؤه بحيث لا يُخرجه عن كونه واسطة، ولكنه طريق وصول نعمة الله - سبحانه - إليه، وللطريق حق من حيث جعله الله طريقاً وواسطة، وذلك لا ينافي رؤية النعمة من الله - سبحانه - فقد / 605 / قال: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ الله» (2)، وقد أثنى الله لا على عباده في مواضع على أعمالهم وهو
(1) سورة الذاريات، الآية: 56.
(2) رواه أبو داود، عن أبي هريرة بلفظ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، باب في شكر =