الجزء الثامن
الجزء ٩ · صفحة ١٤٣كتاب الصوم
الأمر الخامس: في صوم الدهر
وقد اختلف الناس في ذلك، فكرهه قوم، وحرمه آخرون، وجوزه آخرون بشرط أن يفطر الأيَّام المنهي عن صومها.
واستحب صيامه بعض لِمَن قوي عليه، وَلَمْ يفوت فيه حقاً، ونسب
إلى الجمهور.
وكرهه هؤلاء لِمَن يَخشى أن يُفوِّت حقاً. وبيَّن ذلك بعضهم بأَنَّهُ إن علم أَنَّهُ يفوّت حقاً واجباً حرم. وإن علم أنَّهُ يفوت حقاً مندوباً أولى من الصيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا.
وسبب اختلافهم تفاوت الأفهام في معنى الأحاديث الثابتة في ذلك، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو وقد عزم على صيام الدهر: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِر، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّ الحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْل صِيَامِ الدَّهْر». قال: / 140/ «إِنِّي أطيق أفضل من ذلك». قال: «فَصُمْ يَوماً وَأَفْطِرْ يَوماً». قال: «إِنِّي أطيق أفضل من ذلك». قال: «فَصُمْ يَوماً وَأَفْطِر يَومين». فقال: «إِنِّي أطيق أفضل من ذلك». قال: «فَصَّمْ يَوماً وَأَفْطِر يَوماً فَذَلِكَ صِيَام داود وَهُوَ أَفْضَل الصِّيَام»، فقال: «إِنِّي أطيق أفضل من ذلك»، فقال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا أَفْضَل
مِنْ ذَلِكَ» (1)
وفي رواية: أَنَّهُ قال له: «فَصُمْ وَأَفْطِر، وَقُمْ وَنَم فَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ
(1) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بلفظ قريب باب صوم الدهر، ر 1875، 697/ 2. ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بلفظ قريب باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به … ،
ر 1159، 812/ 2.