الجزء الثامن
الجزء ٩ · صفحة ١٤٦146
معارج الآمال - الجزء الثامن
المكروهة، فالأولى إجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوَّت حقاً واجباً بذلك فَإنَّه يتوجه إليه الوعيد.
ومن حُجَّة المرخّصِين حديث حمزة بن عمرو الأسلمي قال: «يا رسول الله، إِنِّي رَجُلٌ أَسْردُ الصَّوْمَ» (2). فحملوا على قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: «لَا أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ، أي: في حقك فيلتحق به من في معناه مِمَّن يدخل فيه على نفسه مشقة أو يفوت حقاً، ولذلك لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد، فلو كان السرد ممتنعا لبيَّنَه له؛ لأَنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
قالوا: وأيضاً: في بعض طرق الحديث: «فَإِنَّ الحَسَنَةِ بِعَشْرَ أَمْثَالِهَا وَذَلكَ مِثلُ صِيَامِ الدَّهْر»، وقوله صلى الله عليه وسلم: / 143 / وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ».
قالوا: فدل ذلك على أن صوم الدهر أفضل مِمَّا شبه به، وأَنَّهُ أمر
مطلوب.
وَأُجِيبَ عن الأَوَّل: بأن سؤال حمزة إِنَّمَا كان عن الصَّوْمِ في السفر
لا عن صوم الدهر، ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر، فقد قال أسامة بن زيد: «إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَسْردُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ لَا يُفْطِرُ» (3).
(1) حمزة بن عمرو بن عويمر بن الحارث الأسلمي (61 هـ): صحابي عابد. شهد فتح أفريقية مع عبد الله بن سعد، وكانت له فيها مقامات محمودة. روى له البخاري ومسلم وغيرهما أحاديث. انظر: الأعلام، 279/ 2.
(2) رواه البخاري، عن حمزة بلفظه باب الصوم في السفر والإفطار، ر 1840، 686/ 2. ومسلم، مثله، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر، ر 1121، 789/ 2.
(3) رواه النسائي، عن أسامة بلفظه، ر ر 2359، 202/ 4. والبيهقي، مثله، ر 2668، 121/ 2.