معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثامن

الجزء ٩ · صفحة ١٤٨

148

معارج الآمال - الجزء الثامن

وقال آخرون صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه. ويترجح من حيث المعنى أيضاً بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق كما تقدم، وبأن من اعتاده فَإِنَّه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل، وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهاراً، ويألف تناوله في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يوماً ويفطر يوماً فَإِنَّه ينتقل من فطر إلى صوم، ومن صوم إلى فطر.

وقد قيل: إنه أشق الصيام، ويأمن مع ذلك غالباً من تفويت الحقوق كما تقدمت الإشارة إليه في قوله صلى الله عليه وسلم في حق داود: / 144/ «وَلَا يَفِرُّ إذَا لَاقَى؛ لأنَّ من أسباب الفرار ضعف الجسد، ولا شك أن سرد الصَّوْم

ينهكه.

وقيل لابن مسعود: إنَّكَ لَتُقِلُّ الصيام! فقال: «إِنِّي أخاف أن يضعفني

عن القراءة، والقراءة أحبُّ إِلَيَّ من الصيام».

فلو فرضنا أن شخصاً لا يفوته شيء من الأعمال الصالحة بالصيام أصلاً، ولا يفوّت حقاً من الحقوق التي خوطب بها لم يبعد أن يكون في

حقه أرجح. وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن يقتضي حاله الإكثار من الصَّوْم أَكْثَرَ منه، ومن يقتضي حاله الإكثار من الإفطار أكثر منه، ومن يقتضي حاله المزج فعله حتى أنَّ الشخص الواحد قد تختلف عليه الأحوال في ذلك، والله أعلم.