الجزء الثامن
الجزء ٩ · صفحة ١٦١كتاب الصوم
161
وأَنَّهُم إن رجحوا جانبهم بأن الاحتياط في العبادات أولى رجحنا جانبنا بأن التخفيف في رخص السفر مطلوب الشرع بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا مِنهُ صَدَقَتَهُ». والترجيح لهذا الجانب؛ لأَنَّ الدليل الدال على أن رخص السفر مطلوبة للشرع أخص من الدليل الدال على وجوب رعاية الاحتياط.
وقال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم؛ وذلك لأنَّ أقل من هذا القدر قد يتفق للمقيم، وَأَمَّا الأكثر فليس عدد أولى من عدد فوجب الاقتصار على الواحد.
وَالجَوَاب: أن اتفاق ذلك للمقيم لا يوجب حصر السفر في ما زاد عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قصر بعد سِتَّة أميال، فوجب أن نرد ذلك إلى بيانه، فَإِنَّه لم يعتبر في حد ذلك الأَيَّام، حد ذلك الأَيَّام، وَإِنَّمَا اعتبر المسافة المحدودة، وهو المبين لأحكام ما أنزل الله إلينا، فليس بعد بيانه بيان.
ومذهب الشافعي / 161/ ومالك وأحمد وإسحاق: أَنَّهُ مُقَدَّر بسِتَّة عشر فرسخاً، ولا يحسب منه مسافة الإياب، كُلّ فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد النَّبِي، وهو الذي قدر أميال البادية، كُلّ ميل اثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كُلّ ثلاث أقدام خطوة.
واحتجوا بقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، مقتضاه أن يترخص المسافر مطلقاً. قالوا: ترك العمل به في ما إذا كان السفر مرحلة واحدة؛ لأنَّ تعب اليوم الواحد يسهل تحمله، أَمَّا إذا تكرر التعب في اليومين فَإِنَّه يشق تحمله فيناسب الرخصة لهذا
التخفيف.