الجزء الثامن
الجزء ٩ · صفحة ٢٢٠معارج الآمال - الجزء الثامن
فالحديثان الأولان يدلان على شهادة الواحد في الصوم، والحديثان
الآخران يدلان على اشتراط شهادة الاثنين في الإفطار.
يوجب
وذكر أبو محمد الإفطار بخبر الواحد العدل، قال: ولا أوجبه عليهم / 231 فرضاً؛ لأنَّ خبر العدل مقبول، ويجب العمل به حكماً، ولا علماً. قال: فإن قال قائل: لِمَ قلتَ بالصوم عند خبره، وكرهت إفطاره، وقبلت خبره، وخبره لا يفيد علماً؟ قيل له: إِنما قلنا ذلك من طريق التعبد؛ لأن خبر العدل واجب قبوله من طريق العبادة، وأما الفرض فلا يزول بغير اليقين. قال: فإن قال: ما الدليل على أن الله تعبد عباده بقبول عدل واحد دون أن يكون معه ثان، والله تعالى إنما أمر بقبول شهادة العدلين؟ قيل له: إن الله - وله الحمد - قد تعبدنا بأشياء مختلفة؛ فَأَمَّا الأموال فإنه أمر ألا يقبل فيها إِلا قول عدلين، وفي عمل الأبدان أمر أن يقبل فيها خبر عدل بقوله جل ذكره: يايها الَّذِينَ ءَامَنوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِناء فَتَيَتَنوا (1)، فَلَمَّا أمرنا بالتبين عند خبر الفاسق علمنا أنه قد أمرنا بقبول خبر غير الفاسق … إلى أن قال: فإن قائل: لِمَ أجزت شهادة العدل في الصوم، فأوجبته بقوله، ولم تقبل قوله في الفطر؟ قيل له: في الابتداء شاهد على نفسه، وفي الفطر شاهد لنفسه.
قال: فإن قال: فما أنكرت ألا يقبل شهادة الشاهدين في الفطر على ما أصلت؛ لأنّهما يشهدان لأنفسهما؟ قيل له: لأَنَّ شهادة الواحد في الابتداء إقرار منه على نفسه، وشهادة الشاهدين جائزة، ويجب العمل بها،
وتعبدنا بعلم الظاهر، والإجماع على ذلك.
(1) سورة الحجرات، الآية: 6.