معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ٢ · صفحة ٢٨٠

280

معارج الآمال - الجزء الأول

وروى أبو هريرة أَنَّهُ قال عَلَيهِ الصَّلاة والسلام: «مَن اطَّلَعَ في دارِ قَومٍ بِغَيْر إِذْنِهِم فَقَؤُوا عَينَهُ فَقَدْ هُدِرَتْ عَينُهُ».

قال أبو بكر الرازي: هَذَا الخَبَر يَرد لوروده على خلاف قياس الأصولِ، فَإِنَّه لا خِلَاف أَنَّهُ لَو دَخلَ دَاره بغَيْر إذنِهِ فَفَقَأَ عَينه كَانَ ضَامِناً

أن

وَكَانَ عَلَيْهِ القصاص إن كَانَ عَامداً، والأرسُ إِن كَانَ مُحْطِئَاً، ومَعلوم الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع، فظَاهِرُ الحَدِيث مخالف لِمَا حصل عَلَيهِ الاتفاق، فإن صح فَمعناه: مَن اطَّلَع في دار قوم، ونظر إلى حُرَمِهم ونسائهم فمُونِع فَلَم يَمتَنع فذهبت عَينه في حالِ الممانعة فَهِي هَدر، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكن إِلَّا النظر، وَلَم يَقع فيه مُمانعة ولا نَهي، ثُمَّ جَاء إِنسان ففَقأ عينه فهَذَا جَانٍ يَلزمه حُكم جِنايَته لِظَاهِر قَولِه تَعَالَى: {وَالْعَيْنَ بِالْعَينِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسَنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ (1).

ورُدَّ: بأنَّ المُرَادَ بقوله تَعَالَى: {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ مَا إِذا لَمْ تكن العينُ مُستحقَّة للفَقءِ، فَإِنَّها إذا كانَت مُستحقَّة لذَلِكَ لَمْ يَلزم القصاص

إجماعاً.

وَأَمَّا قوله: إِنَّه لو دخل لَمْ يَجز فَقء عَينه، فكَذَلِكَ إذا نظر فمَردود؛ لأنَّ الفرق بين الأمرين ظَاهِر؛ لأَنَّهُ إذا دخل عَلِم القوم دخوله عَلَيهِم فاحترزوا عنه وتستّروا، فَأَمَّا إذا نظر فقد لا يعلمون بذَلِكَ فَيطَّلع مِنهُم على ما لا يَجُوزُ الاطلاع عَلَيهِ، فلا يبعد في حُكم الشرع أن يبالغ هَا هُنَا في حَسماً لِبَاب هَذِهِ المفسدة، هَذَا إن سلم أنَّ دمه لا يُباح بعد الدخول

الزجرِ

إِلَّا إِذا مُونِع فلم يمتنع.

(1) سورة المائدة، الآية: 45.