الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٨معارج الآمال - الجزء الأول
وذَلِكَ أَنَّهُ قَسم النظر إلى وجهها وكفَّيها إلى ثَلَاثة أقسام؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَن لا يَكُون فيه غَرض ولا فيه فِتنة، وَإِمَّا أن يَكُون فيه فتنة ولا غرض فيه، وَإِمَّا أن يَكُون فيه فِتنة وغرض.
1 - فإن كَانَ لغَيْر غَرض: فلا يَجُوزُ أن يَتعمَّد النظر إلى وجه الأجنَبِيَّة بغَيْر غَرض، وإن وقع بصره عَلَيْهَا بغتة يَعْضُ بصره لِقَولِه تَعَالَى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
وقِيلَ: يَجُوزُ مَرَّةً وَاحِدَة إِذا لَمْ يكن مَحَلَّ فتنة، وبه قال أبو حنيفة، ولا يَجُوزُ أن يكرّر النظر إليها لِقَولِه تَعَالَى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَيكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (1)، ولِقَولِه عَلَيهِ الصَّلاة والسلام: يَا عَليّ، لا تُتبع النظرَةَ النظرَة، فَإنَّ لكَ الأُولَى وَلَيسَت لكَ الآخرة».
وعن جابر قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن نظر الفجاءة فأمرني أن
أصرف بصري».
ولأنَّ الغالب أنَّ الاحتراز عَن الأُولَى لا يُمكن، فوقع عفواً قصد أو
لم يقصد.
وقد قدَّمت لك أنَّ المَذهَب جَواز النظر إلى الوجه والكَفَّيْن بلا شَهوة؛ لِحَدِيثِ أسماء بنت أبي بكر وما بعده من الاحتجاج، فما احتج به هَا هُنَا مَحمول عِندَنا على ما لا يَحلُّ النظر إليه، إذ لا يصح حمله على ما أبيح النظر إليه، وبذلِكَ يَستبين لك وجه العفو عن النظرة الأُولَى؛ لأنَّ
العفو إِنَّمَا يَكُون في الخطأ إلى ما لا يَحلُّ عِندَ التَّعَمُّد، وَالله أَعلَم.
(1) سورة الإسراء، الآية: 36.