الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٢392
معارج الآمال - الجزء الأول
قصد العصيان وإن كَانَ بذنب صغير كَانَ ذَلِكَ إصراراً، والإصرار من كبائر
الذنوب إجماعاً
وليس مراد ابن عَبَّاس إنكار الصغائر رأساً؛ لأنَّها مذكورة في القرآن
العزيز، كما في قوله تَعَالَى: وإِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ (1)، فَالسيِّئات المكفّرة
هي
الصغائر.
وَكَذَلِكَ قوله تَعَالَى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَّرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّهمَّ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةً) (2)، واللمم: ما عدا كبائر الإثم والفواحش.
أو أنَّ مراد ابن عَبَّاس إنكار تسميتها بالصغائر فسماها كُلّها كبائر استعظاماً للذنب مِن غَيْر أن يستلزم نفي حُكمها المذكور في القرآن. على أَنَّهُ قد رُوِيَ عنه أَنَّهُ قَالَ: الكبير ما أعد الله عَلَيهِ حداً أو عقوبة.
وعن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «الكَبَائِرُ ثَلَاثَة: الشرك بالله، وَعُقوقُ الوَالِدَينِ، وَاليَمِين «الغَمُوس» (3)، وهَذِهِ الثَّلاث تمثيل للكبائر؛ أي: أنَّ الكبائر مثل هَذِهِ الثَّلاث أو أنَّ المُرَاد أنَّ هَذِهِ الثَّلاث أكبر من غَيْرها من سائر الكبائر، وليس المُرَاد حصر الكبائر في هَذِهِ الثَّلَاثِ كما تَدُلُّ عَلَيهِ أحاديث أُخَر فَإِنَّه رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «أَكبَرُ الكَبَائِر: الشرك بالله، صلى الله عليه وسلم
(E).
وَعُقوقُ الوَالدَينِ، وقتل النفس، وقول الزور» ثُمَّ استوفَزَ (4) صلى الله عليه وسلم وقَالَ:
(1) سورة النساء، الآية: 31. (2) سورة النجم، الآية: 32.
(3) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بلفظ قريب كتاب (83) الأيمان والنذور، باب (16) اليمين الغموس، 6675، 289/ 7 والترمذي عن عبد الله بلفظ قريب، کتاب
(48) تفسير القرآن باب (5) من سورة النساء، ر 3021، 236/ 5.
(4) استَوفَزَ: استوى قائماً. وقد تهيأ للأفز والوثوب والمضي. انظر: العين، (وَفَز).