الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٤٠٥كتاب الطهارات
405
به، وكيف وقد نام حَتَّى طلعت الشمس عَلَيهِ، ولو لَمْ يَنم قلبه لَمْ يؤخّر الصَّلَاة عن وقتها حَتَّى تذهب ويُصَلِّيها فى غَيْر وقتها هو وأصحابه. واعترضه صَاحِب الإيضاح بأنَّ ما ادعاه من الاستدلال بالحديث لا دليل فيه بل هو دليل وَحُجَّةٌ عَلَيهِ، إذ علل صلى الله عليه وسلم علم الوُضُوء بعدم نَوْمه الذي يترتب عَلَيهِ نقض الوُضُوء، وذَلِكَ من خصوصيته.
وَأَمَّا ما استدلَّ به من نَوْمه الا الله حَتَّى طلعت الشمس ففيه نظر لما صرح به العُلَماء من أنَّ قلبه صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا يُدرك الحسّيات المتعلقة به، كالحَدِيث والألم ونحوهما، ولم يدرك الفجر وغَيْره مِمَّا يَتَعَلَّقُ بالعين، وإِنَّمَا يُدرك ذلك بالعين والعين قد نامت وإن كَانَ القلب يقظان، حرَّره.
قُلتُ: ما قاله - رحمه الله تَعَالَى - هو التحرير فَإِنَّه ظَاهِر الصواب. أَمَّا أَبو مُحَمَّد فَإِنَّه قد نقض بَعْض كَلَامه بَبَعْض حَيْثُ قَالَ: وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مستو هو وغيره في حكم البشريَّة إِلَّا فيما أخبرنا أَنَّهُ مَخصُوص به، قال ذَلِكَ مع روايته عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «تَنَامُ عَينِي وَلَا يَنَامُ قَلبِي»، فهَذِهِ الحَالة من الخصوصيات التي أخبرنا أَنَّهُ اختص بها من بين سَائِر البشر فلا يساوي حكمه فيها حكم غَيْره، وَالله أَعلَم.
وبالجملة فإنَّ النَّوْم له أربع هيئات:
أحدها: أن يكون طويلاً ثقيلاً في حالة الاضطجاع، فَهَذَا متَّفق عَلَيهِ أَنَّهُ ينقض الوضوء لثبوت الحَدِيث في ذلك.
وثانيها: أن يَكُون قصيراً خفيفاً غَيْر مُزيل للعقل، فهذا لا ينقض
الوُضُوء على أي حالة كَانَ عَلَيْهَا المُتَوضّى من قيام أو قعود أو اضطجاع؛ لأنه ليس بنوم وإِنَّما هو سِنَة؛ والناقض هو النَّوْم لا السِّنَة.