الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٢482
معارج الآمال - الجزء الأول
وبالغ بعض قومنا فأوجبوا تقديم الوضوء على الغُسل، ونسب هذا القول إلى أبي ثور وداود.
ورُدَّ: بأنَّ قَوْله تَعَالَى: {فَأَطَهَرُوا أمر بالتطهير، والتطهير حاصل بمجرد الاغتسال ولا يتوقف على الوضوء، بدليل قوله عَلَيْهِ الصلاة والسلام: وأَمَّا أنا فَأَحتِي على رَأْسِي ثَلَاثَ حَثِيَاتٍ، فَإِذَا أَنَا قَد طَهُرتُ»، وَاللَّهُ أَعلم. حُجَّة من قال: إِنَّ الغُسْل من الجَنَابَة يُجزِئ للصلاة قَوْله تَعَالَى: ياتها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبا فَاظَهَرُوا (1)، فَإِنَّهُ لا أمر غير الجُنُب، بالوضوء، وأمر الجُنُب بالتَّطهر؛ ففرض الجُنُب إذا أراد القيام إلى الصلاة إِنَّما هو الطهارة من الجَنَابَة، وفرض غيره من المحدثين الوضوء.
وأيضاً: فقد روي عن عائشة: أَنَّهَا كانت تقول: «كانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يَتَوَضَّأَ بعدَ الغُسْل (2). وفي رواية أخرى عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَغتسل ويصلّي الركعتين وصلاة الصبح، ولا أراه يُحدث وضوء بعد الغسل.
وعن ابن عمر أَنَّهُ قال: كان أبي يغتسل ثُمَّ يَتَوَضَّأَ، فقلت له يوماً: أما / 334/ يُجزئك الغُسْل؟ وأيُّ وضوء أتَمّ من الغُسل. فقال: صحيح ولكن يُخيَّل إِلَيَّ أَنَّهُ يَخرج من ذكري الشيء فأمسه فأَتَوَضَّأَ لذَلِكَ.
(1) سورة المائدة، الآية: 6. (2) سبق تخريجه بمعناه في حديث: كان رسول الله إذا تَوَضَّأَ من غسل الجَنَابَة … ».