الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٥١٠10
ومع
معارج الآمال - الجزء الأول
التنبيه الثامن: إذا كان عند المحدث ماء قليل لا يُجزِئُه
الجَنَابَة،
لغسل ما أمر بغسله من أعضاء الوضوء، أو من جسده في ذَلِكَ فلا نَجَاسَة في جسده وجب عَلَيْهِ عندنا أن يستعمل الماء إلى
حيث ينتهي، ثُمَّ يتَيَمّم لِما بقي من جوارحه لقَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا، والواجد للماء القليل واجد للماء، فلا يصح له أن يستعمل التَّيَمُّم من أَوَّل مَرَّة، بل يجب عَلَيْهِ أن يستعمله حَتَّى إذا فرغ صار غير واجد للماء، فيجب عَلَيْهِ حينئذ التَّيَمُّم.
وأيضاً: فقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا نَهِيتُكُم عَن شَيء فَانتَهُوا، وإِذَا أَمَرْتُكُم بِشَيْءٍ فَأَتُوا مِنهُ ما استطعتُم» (1) مُؤكِّد لما فهمناه من معنى الآية لأَنَّ قوله: «فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطعتُم يَدُلُّ على أَنَّهُ يَجب على المكلَّف أن يأتي من المأمورات ما استطاع، فإذا لم يقدر على شيء منها سقط عنه ذَلِكَ الذي لَم يستطع فعله، وبقي الذي يستطيعه على حال اللزوم؛ فلا وجه لإسقاطه والعدول عنه إلى غيره.
وذهب بعض مُخالفينا منهم أبو حنيفة وداود إلى أَنَّ عَلَيْهِ أَن يَتَيَمّم ولا يستعمل الماء؛ لأَنَّ الله - جل ذكره - لَمْ يتعبد في طهارة واحدة بالماء
وبالتّيَمُّم.
واحتجوا بقول الله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً، إذ المُرَاد بالآية: فإن
(1) رواه الربيع، عن أنس بن مالك بلفظه، كتاب الحج، باب (1) في فرض الحج، ر 394، 160/ 1. والبخاري عن أبي هريرة بلفظ قريب، كتاب (97) الاعتصام بالكتاب والسنة، باب (2) الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ر 7288، 180/ 8. ومسلم، بلفظه، کتاب (15) الحج، باب (73) فرض الحج مرة في العمر، ر 1337، 2/ 975.