الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٥٣٣كتاب الطهارات
533
وعَلَى هذا اتفقت الأمَّة إِلَّا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص فَإِنَّهُ حكي عنه أَنَّهُ قال في ماء البحر لا يُجزئ من الوضوء ولا من الجَنَابَة، والتَّيَمُّم أحِبَّ إِلَيَّ ولم نقف له على حُجَّة فى ذَلِكَ.
منه،
والسُنَّة المتَقَدّم ذكرها تردُّه، وكذَلِكَ الكتاب العزيز فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَبِيعَ فِي الْأَرْضِ) (1) مع قَوْله تَعَالَى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا وقَوْله تَعَالَى: {وَيُنَزِلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ
مَاءَ لِيُطَهِّرَكُم به دليل على أنَّ ماء البحر من جملة ما أنزل ليطهرنا به. وَوجهُ ذَلِكَ: أنَّ الآية الأولى دالّة على أنَّ الماء الذي خرج من الأرض نازل من السماء أيضاً، فلا بد لماء البحر إما أن يكون قد نزل من السماء أو خرج من الأرض؛ فإن كان قد نزل من السماء ابتداء فهو مطهر بنص الآية الأخيرة، وإن كان قد نبع من الأرض فكلُّ ماء نابع من الأرض فهو نازل من السماء بدلالة الآية الأولى، وكلّ ماء نازل من السماء فهو
مطهر لِما تَقَدَّم. نعم، بقي أن يقال: إِنَّه لا يلزم أن يكون ماء البحر نازلاً من السماء ولا نابعاً من الأرض؛ لاحتمال أن يكون خلقه الله تَعَالَى كَذَلِكَ؛ وَعَلَى هذا فيكون جنساً برأسه، فلا تكفي الأدِلَّة المتَقَدِّمة في رد مقالة ابن عمرو، وحينئذ فنقول: إنَّ ماء البحر ماء بالإجماع، وقد قال له: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا، فلا يصح العدول إلى التَّيَمُّم إِلَّا عند عدم الماء؛ لأَنَّ صحة التَّيَمُّم مشروطة بفقدان الماء، ومن وجد ماء البحر فقد وجد الماء بلا
خلاف بين المُسلِمِين، وَاللهُ أَعلم.
(1) سورة الزمر، الآية: 21.