الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٥٤٠540
معارج الآمال - الجزء الأول
ماء المطر بذلك كما يتبادر إليه ذهن كُلّ عاقل، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا القائلون بكراهية الماء القليل إذا أصابته النَّجَاسَة، فَإِنَّهُم نظروا إلى تعارض الأدِلَّة على حسب ما سيأتي، وحاولوا الجمع بينهما، فحملوا أدِلَّة القائلين بنَجَاسَة الماء القليل إذا أصابه النجس على الكراهية فقط، جمعا بينها وبين ما يعارضها، والله أعلم.
وَأَمَّا القائلون بنَجَاسَة الماء القليل إذا وقعت فيه النَّجَاسَة وإِن لَمْ
تغيره؛ فاحتجوا على ذَلِكَ بوجوه:
أحدهَا: قَوْله تَعَالَى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْتَ (1)، والنجاسات من الخبائث، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ (2)، وقال في الخمر: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (3)، ومرَّ عَلَيْهِ الصلاة والسلام بقبرين فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعذِّبَانِ ومَا يُعَذِّبَانِ في كَبِيرِ: إِنَّ أَحَدُهُمَا كَانَ لَا يَستَبرِئ مِنَ البولِ، وَالآخَر كَانَ يَمْشِي بِالنمِيمَة»، فحرَّم الله هذه الأشياء تحريماً مطلقاً، وَلَمْ يفرّق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء؛ فوجب تحريم استعمال كُلّ ما يبقى فيه جزء من النَّجَاسَة.
قالوا: فأكثر ما في الباب الباب أن الدلائل الدَّالَّة على كون الماء مُطهِّراً تقتضي جواز الطهارة به، ولكن تلك الدلائل مبيحة والدلائل التي ذكرناها حاظرة، والمبيح والحاظر إذا اجتمعا فالغلبة للحاظر؛ ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما منها مائة جزء، وللآخر جزء واحد، فإنّ جهة
(1) سورة الأعراف، الآية: 157.
(2) سورة البقرة الآية: 173 وسورة النحل، الآية: 115.
(3) سورة المائدة، الآية: 90.