الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٥٩٢592
معارج الآمال - الجزء الأول
التراب إِلَّا في حال عدم الماء، وهذا إيجابُ فرضين مع عدم الماء؛ فإن كان النبيذ مُطهّراً؛ لأنَّه يقوم مقام الماء فلا حاجة لنا إلى التيمم بالتراب، وإن كان عدم الماء يوجب العدول إلى التراب فما معنى التمسح بالنبيذ. وَأيضاً: فإنَّ المَسْح بالماء المُستَعمل لا يجوز، فالمسح بالنبيذ أبعد من الجواز. وأيضاً: فالنبيذ لا يقع عَلَيْهِ اسم ماء مطلق ولا مقيد، ولا يقع عَلَيْهِ اسم صعيد؛ فلا أرى للأمر بالتطهر بالنبيذ وجهاً.
ويُجَابُ: بأنَّ الأمر بذَلِكَ على جهة الاستحباب والاحتياط كما صرح به أبو سعيد، لا على جهة الإلزام والإيجاب؛ فلا يلزم منه ثبوت فرضين، وَاللهُ أَعلَم.
والحُجَّة لأصحابنا وغيرهم مِمَّن منع الوضوء بالنبيذ: قَوْله تَعَالَى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ففرض - جل ذكره ـ الطهارة بالماء، وفرض على من لَمْ يَجد الماء التَّيَمُّم بالصعيد الطيِّب.
وفي الحَدِيث عن النَّبِي: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ المُسلِم وَإِن لَمْ يَجِد الْمَاءَ عَشر سنين فَإذا وَجَدَ المَاءَ فَلَيمُسَّه بشرَتَه فَإِنَّ ذَلِكَ خَير» (1).
واحتج المجوّزون للوضوء بالنبيذ بما روي عن ابن /383/ مسعود أنَّه كان يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ: «مَا في أَدوَاتِكَ أو ركوتك؟» قلت: نبيذ. قال: «ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ» (2)
(1) رواه أبو داود، عن أبي ذر بلفظ قريب كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم، ر 333، 91/ 1. والترمذي عن أبي ذر نحوه أبواب الطهارة، باب (92) ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، ر 124، 212/ 1. (2) رواه ابن عدي، عن ابن مسعود بمعناه، 15/ 4. وابن الجوزي: التحقيق في أحاديث الخلاف، عن ابن مسعود بمعناه مسألة: لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة، ر 31، 52/ 1.