شفاء القلوب من داء الكروب خميس بن راشد بن خميس العبري أبو ماجد، المشهور بـ "ذي الغبراء"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٢٩

اجتهادك، ولعلك كنت أشرف رتبة مع الله، ولنا في ذلك ظاهر دليل وأوضح سبيل، إنك كنت مسكيناً من أهل المساكين، وبتلك الحالة أقدرك الله حتى نازعت في ملكه أكبر السلاطين، ونزعت ما نويت من ملكه وهو على اقتداره، وقوته وآله وماله وأنصاره، وكان الذي تريد لا الذي يريد، وما كان ذلك ملكاً، إلا كما قال الله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) (1) وظاهرتك أعداؤك على هذا الأمر مظاهرة أوداك، وفي بداية الأمر كل مسرور بذلك، ويدعو لك بالنصر، من كافة أهل العصر. والآن لم أعلم من أكثر أهل الزمان من يشكرك إلا قليلا بجنان ولا لسان، وقد بينت لك هذا عساك تنتبه إلى شيء من حكمة الله فيك، أو تعرف ما أنت جاهله مما أمامك أو وراءك، لتتدبر أمرك، وتبادر بالرأي الرشيد، مجاهدة في هذا الأمر من دهاك، لأن المؤمن مرآة أخيه المؤمن، والتذكرة في حق الأخوة نصرة، والمراد أن تفكر في علانيتك وسرك فعسى ينصرك الله بنفعك وضرك، وتولي صالحي المسلمين جميع نهيك وأمرك، لأن هذا أمر عظيم، والخطر فيه جسيم، ويحتاج إلى معين ومشير وعشير، يقدم الجميع حكم كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع أهل صواب، مع حسن سياسة وتدبير، ومالم يوطد الأمر والنهي بجماعة المسلمين الذين تقوم بهم الحجة في الدين، وإلا فأتت في فتنة مبصورة عمياء وداهية دهياء، لا يرجى بها صلاح الدين ولا سلامة الدنيا، لأن أكثر أهل هذا الزمان أرادوا الدنيا بدلاً عن الآخرة، وأرادوا بها مكابرة الحق والمباهاة والمفاخرة، قبض الله عنهم دنياهم، ولم يمتعهم فيها بهواهم جزاء لهم بترك العصمة الوثقى من عروة العدل والتقى، فيجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، بتفويت العاجلة، ومن ورائها خسران الآجلة، وذلك (1) سورة الأنفال: 17

429