الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨عادتهم قتل الناس قبل الأموال طلبا السمعة وليس لهم دم على المسافرين المارين، فعلى هذه الصفة أولى للإنسان أن يقاتل عن نفسه ولو رأى سبعين رجلاً فلا يبرح نفسه إليهم وقد حكي لي عن رجلين يقطعان في طريق المسلمين يريدان السمعة فمتى لقيا أحداً أعطياه الأمان فأخذاه وقتلاه بعد أمانهما، فمثل هؤلاء الذين يعرض لهم أولى أن يقاتلهما حتى يفنيا من الدنيا، وكذلك الخصيم المخلف بالعداوة في الحرب، فلا يغرك
أمانه وقتاله أولى. وينوي في قتاله الله ويحمي عن نفسه لا ينوي للسمعة فمع اقتراب الآجال يحضر الشيطان ليفسد الأعمال، وأما الجار والأرحام إن بدا منهم تعدٍ من سرقة أو خراب أموال أو سفك دماء في فتنة لم تكن على سبيل الحرب وكان في زمانهم سلطان عادل ينصف بين الفريقين بحكم إن بدا اعتداء منهم ليردعهم عن بغيهم، فالمبتلى أولى له أن يصل إلى السلطان ويأخذ حقه من خصمه، وإن لم يجد في زمانه سلطاناً عادلاً وظن في نفسه بالقدرة على خصمه فأولى له الحمالة، والسلامة أسلم من إحياء الفتن عن مثل القوم الذين طغوا على أصحابهم بالخراب والضر فتناظروا فخيذة (1) منهم لما رأوا التجهم منهم في أموالهم والتعسف على نسائهم أن يسجنوا المتمردين فسلطهم الله عليهم وسجنوهم وغرموا ما أخذوه عليهم فطابت نفوسهم عليهم فبعد ذلك وجد المسجونون من الأمراء والقبائل عصبة لهم بالألسن وساعدوهم في الرأي على ظلم أصحابهم فذهبت الأموال والنفس من تلك الفخيذة المطيعين الله لما بهم يتلففون على الناس فهذه عبرة للمعتبرين، وحدياً للآخرين، فكمثل هذا أولى للمسلمين، أن
(1) في الأصل: فخيضة
48