الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٩يصبروا في دنياهم؛ لأنها سجن لهم ويتزودوا منها لأخراهم والعاقل ينظر بعقله لا بعينه ويعتبر أهل زمانه، فإن قال له أحد من الأمراء أنا أنصرك على عدوك فليس هذه محبة ولكن مراده أن ينصره حتى يصل إليه خصمه بالخضوع إليه فإن لم يخضع لم يحب ذهابه ويساعده الأمير عليه وإن خضع ووجد منه مطلوبه وصار عوناً له وقرينه سلطه على المسلمين فصار الخصم من المقربين الباغين والمطيعون مبعدين فلا تغترر بقول
(1)
الأمراء، ولا يسرك قولهم، وخذ حذرك منهم فهم أعدى (1) من الغول (2)
وذكرت في انتقال الناس والمداخلة بينهم في البلدان فهذا الانتقال على وجوه كثيرة، والأكثر انتقال الفقراء يلتمسون الأرزاق الواسعة فالذي اتسع رزقه في بلد اتخذها وطناً له، وأما الأغنياء فلا ينتقلون عن أوطانهم إلا إذا خافوا على نفوسهم ودينهم لأن المؤمن لازم عليه إن خاف على دينه أن يهرب من شاهق إلى شاهق.
وهذه الأبيات عن بعض الصالحين شعراً:
(4)
واشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنَّه الركن إن خانتك أركان من يتق الله يحمد في عواقبه ويَكْفِهِ شرَّ من عزوا ومن هانوا من استعان بغير الله في طلب فإنَّ ناصَرُه عجز وخذلان من كان للخير مناعاً فليس له على الحقيقة إخوان وأخدان من جادَ بالمال مال الناس قاطبة إليه، والمالُ للإنسان فنّانُ
قلت له: وإن عزم عازم على الانتقال فما ترى أحسن له أن يكون يقرب من بلده أو البعد أولى؟ وإن انتقل فما أحسن له البلدان الذي يراها
(1) أي: أشد عداوة. (2) الثعبان
(3) في الأصل: من عز ومن هان.
49