الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٤الذكر الرابع والثلاثون:
فيه لسلامة الأنفس، وفيه من الأدب والشرع
قال صاحب ذي الغبراء: سألت عن المرء الذي يكون في زمانه سالماً؟ قال: رفع لي عن أبيه عن جده أنه كان تاجر سار مسافرا إلى بعض البلدان فوجد في سفره دارا مخضرة بالأشجار وتجري في بيوتها الأنهار، وبها المساجد وفيها العباد، فإذا هو برجل كشف كتاباً والناس من حوله يستمعون: قال فسمعته يذكر في سيرة حسنة للأولين والآخرين وقال شعراً:
إذا لم يكن علما يزين به الفتى إلا فمال ساتر لمعايبة وإن لم يكن مال فعقل وعفة يزينُ بهِ في الناس مَعْ مَنْ يصاحبة ثم قال: اعلموا أيها المسلمين أن الله خلق الدنيا والآخرة، وجعل فيها الذكر والأنثى، فمنهم الدنئ ومنهم الشريف، ومنهم من الأشرار ومنهم الأبرار، ومنهم موسر ومنهم صاحب إعسار لأن الدنيا فيها الإقبال وفيها الإدبار، فالذي تراه أدبرت عنه الدنيا فلا تصحبه أبدأ لأن الله ينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فإذا رأيت الملك في ضعف وظهر عليه أحد فكن مع الذي ظهر وحجتك تقوى مع قوته لأنه لابد للمرء من شباب له في دنياه، وأما إذا صحبت الملك الذي نزعه الله عنه فلم تزل في الكسيرة والعداوة والغرامة والنكال والهم والحزن وكذلك إن بدا لك غرض في الشركة والتجارة والزراعة فلا تشارك إلا بالذي رأيت مقبلة إليه الدنيا فإنك تربح من رباحته والذي أدبرت به الدنيا
??