الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢٩معه ملح فسألهم عن حالهم فأخبروه بما وقع عليهم من القتل والذل وما شروا منه شيئاً فانتقل إلى بلدانهم فلا أحد شرى منه ملحا فقصد إلى بلد الأسد فقال: لعلي أبيع هناك الملح في البلد الظافرة المسرورة فلما وصل عندهم لم يكلمه أحد. فقال لهم: مالي أراكم مهمومين مغمومين ولا تتكلمون؟ فقالوا ما نظرت ما حل بالبلد وعندنا رجلان مقتولان
وجريحان.
فقال لهم: ما كفاكم بالذي صح في خصمكم البارحة. فقالوا له: كيف علمك عنهم؟ فقال: قتلوا منهم أربعين رجلاً في الموضع الفلاني وفيهم مسماي الشيخ فلان وفلان وفلان وفلان وفلان ووجدوهم كدساً واحداً كأنهم اختطفهم شيطان. فلما عرفوا الخبر تباشروا بالفرح والخير وشروا الملح، وعزوا ونفضوا ثم قصدوا بالعذر إلى الأسد من كلامهم القبيح السابق فقبل منهم العذر فأما ما كان من أمر الخصيم فقد مشوا عند إحدى الطوائف ليسد الحال بينهم فامتثلوا وصنعوا الصلح وأعطوهم غرم ما ضيعوه من نخيلهم وأشجارهم ودورهم فصارت كلمة الأسد وأصحابه هي العليا وكلمة خصمهم هي السفلى
فهذه النبذة التي قلناها فيها دلائل الحرب، والخصم لا تبين مذلته إلا إذا كان محصوراً لا قدرة له على الخروج من بلدانه في الفلوات والأموال إلا إذا خرجوا جميعاً، وأما إذا كان بينهم ضرابات وغارات تنظره العيون فهذا يصيب الفريقين جميعاً فتارة يعلو هذا وينزل الآخر وتارة يعلو الثاني وينزل الأول. والحرب بالصبر وبذل الأموال والأنفس في جميع الأمور لأنه قيل لا يأكل اللذات إلا الجسور ولا يدخل الجنات إلا
129