شفاء القلوب من داء الكروب خميس بن راشد بن خميس العبري أبو ماجد، المشهور بـ "ذي الغبراء"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦١

كان لك حفظ. فقال الولد: أما إن سألت عن حفظي فأقرأ الاسم والكلمة ألف شرف ثم أكررها في قلبي ألف شرف حتى أحفظها. فقال المعلم وهذا من الحفظ الكثير للطالب الراغب؛ لأنه لو تعلم الإنسان كل يوم وليلة لعاش في زمانه فقيها، أما تنظر إلى الحصون العالية مثل الجبال الراسية يرفعها الباني حصاة بعد حصاة أو طفالة (1) تتبعها طفالة، وكذلك حفر الأفلاج في الأرض السهلة والصعبة ضربة تتبعها ضربة والمسافر يمشي إلى أقصى البلدان خطوة تتبعها خطوة، وكذلك الناسخ يكتب حرفا حرفا ويجتمع من نسخه كتباً مجلدة حتى لا تحملها الإبل، وكذلك أعمال الكسوة مثل القطن والصوف انظر في صنعته من دقتها من أولها إلى آخرها حتى تنتهي، سافر بها في الفلك من البر إلى البحر ثم إلى البر، وكذلك غرس النخيل والزروع واجتهاد الناس في عملهم مع حصاده يجمعونه تمرة بعد تمرة، وحبة تتبعها حبة ثم تجتمع مثل الجبال فمن طلب شيئاً واجتهد وجد، وجد فهذا دليل من التأنيس من المعلم للمتعلم. ثم علمه الخطبة لعيد الفطر ونذكرها في موضعها ثم المعلم أخبر السلطان بالولد وحفظه للخطبة فلما أصبح عيد الفطر وأخرجت فطرة الأبدان على من لزمته إلى مستحقها، قرب لهم السلطان الغذاء فأكلوا ما طاب لهم وتغسلوا وتوضأوا ونووا في خروجهم للجبان للموعظة والتذكرة ولإحياء السنة، فصلى بالناس المعلم وأمر الولد بقراءة الخطبة فقرأها بقلب، شجي وصوت وعظي، فسالت دموع العيون على خدود المسلمين، وأثنى فيها على سلطانه وعلى كافة المسلمين فأهدى إليه السلطان ألف حرف وخلع عليه كسوته وسلاحه والتجار كل منهم مد بيده عليه وحمل بالهدايا إلى بيته

(1) أي: لبنة

261