الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧-
27
-
وأما المشاهدة التي رتبها على الاخلاص فالمراد بها قوة العلم بالله وبأسمائه وصفاته وهو أن يعلم العبد علما يقينا أن الله موجود حاضر معه بكل مكان وعلى أى حال، وأن الخير والشر كله منه وأنه قادر على كل شيء، وأنه اذا قال لشيء كن كان فى الحال وأمثال هذه الأمور،
-
-
أن تكون حاضرة مستقرة فى القلب لا تفارقه، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن الاحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك» • يراك» • والاحسان المذكور هاهنا هو خالص الايمان وأعلى درجاته، وهو المعبر عنه هنا بالمشاهدة، وسأضرب لك مثلا يقرب الى فهمك معانى هذه الأمور، ذلك كما اذا قيل لك انه قد قام في البلد الفلاني ملك كبير عظيم قاهر ذو جنود كثيرة وبأس شديد، انقدح في قلبك تصديق ذلك وهو المعرفة بوجوده، ثم اذا زاد هذا الخبر ونما حتى بلغ. حد التواتر ولا يكاد قلبك يدفعه فهذا هو العلم اليقين المعبر عنه هنا باليقين.
فاذا استقر هذا العلم فى قلبك ورسخ رسوخا قويا فهي درجة ثالثة وهى المعبر عنها بالتصديق لأنك متى حصل عندك العلم اليقين الذي لا اضطراب معه سكن قلبك اليه وصدقت به تصديقا قويا، ثم اذا علمت بعد ذلك أن هذا الملك يدعو الناس الى كل ما فيه لهم خير الدنيا والآخرة والى ترك كل ما فيه لهم شر الدنيا والآخرة، يأمر بما أمر به الله ورسوله وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، ويجب لرعيته كل خير وصلاح، ويكره لهم كل ضر وسوء أحببته حينئذ، وأخلصت له المحبة والمودة من خالص قلبك، فاذ اصرت كذلك دعاك داعى المحبة وحركك محرك الود الخالص الى أن تقصده فى محله لتحظى بمشاهدته وتتشرف بدخول حضرته لتسمع منه ما يأمرك به وينهاك عنه مشافهة، فاذا وصلت اليه وشاهدته ونلت ما أملت، أطعته حينئذ وأخلصت له الطاعة بحيث لا تعصيه في شيء أبدا، وامتثلت أوامره على كل حال رغبة، فكذلك مثل هذه المقامات عند الله سبحانه وكلها تسمى ايمانا وتصديقا و اخلاصا وطاعة، واسم الايمان بجمعها كلها، والله أعلم