الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥-
35
-
من ذلك، كما ذكرناه آنفا، وأما قوله فى النيل: من فعل ذنبا كبيرا ثم طاعة بلا قصد توبة منه فهل يكفره بذلك أولا حتى يقصده بالتوبة منه، قولان فان هذا وأمثاله وان أوهم أن فعل الطاعات نفسه مكفر للذنب الكبير ولو لم تصحبه توبة فليس كذلك فان قوله منه متعلق بتوبة
لا بقصد، والضمير فيه عائد الى الذنب المفعول لا الى فاعله والمعنى: ان فاعل الذنب الكبير اذا أتى أفعال الطاعات غير مستحضر حال فعله اياها أنه انما يفعلها توبة من ذلك الذنب بعينه وتكفيرا له، بل غفل أن يحضر هذه النية حال العمل أو نسيها أو نسي الذنب في تلك الحال مع أنه غير مصر على ذلك الذنب وغير قاصد أن لا يتوب منه ولا قاصدا أن يعود اليه فهذا هو محط الخلاف في الاجزاء وعدمه، والقول بالاجزاء هنا ضعيف عندهم، وذلك أن تمام التوبة عندهم واستكمال شروطها محتاجة الى أشياء كما ترشد اليها الآيات
(
والأحاديث كقوله تعالى: (الا من تاب و آمن وعمل عملا صالحا فالتوبة الرجوع الى الله والندم على الذنب، وهذا محله القلب وكذا الايمان والعمل الصالح محله الجوارح، وكقوله: (التائبون العابدون 00) الى آخر الآية، ونحوها من الآيات الكثيرة التي قرنت قصد القلب، وكذا الأحاديث كقوله ـ صلى الله
أعمال الجوارح مع عليه وسلم: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» فالأعمال الصالحة للتائب دليل على صدق توبته، وكذا تغيير حاله في اللباس والمطعم والهيئة ونحو ذلك قد جاءت فى ذلك أحاديث وأخبار
قال كعب بن مالك:
لما نزل قبول توبتهم: يا رسول الله، ان من تمام توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فاجعله يا رسول الله حيث شئت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: - «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قال: قلت أمسك سهمى من خيبر • انتهى فهذا مرادهم بتكفير الذنب بالأعمال الصالحة، لا أن يعملها وهو مصر على الذنب قاصد أن يعود اليه فهذا لا يقوله أحد، والله أعلم.