الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٠350
كتاب
الجزء الثاني
قال أبو محمد رحمه الله: والنظر يوجب أنَّ القرآن والسُّنَّة حُكْمَانِ الله تعالى، يُنسخ كلُّ واحد منهما بالآخر، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم: (3 - (4) فأخبر جلَّ ذكره أن الكل من عنده وبأمره.
النسخ بين المتقدم والمتأخرا
واختلفوا في ذلك من جوه أُخَر:
فزعم قوم أنَّ (1) الآيتين إذا أوجبتا حكمين مختلفين، وكانت إحداهما متقدمة للأخرى، فالمتأخرة ناسخة للأولى، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة: 180) نَسَخَه قوله وال بعد ذلك: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (النساء: 11)، وقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (النساء: (11) فالآخرة ناسخة للأولى، ولن يجوز أن تكون لهما الوصية والميراث.
وقال آخرون: بل ذلك جائز، وليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ، وإنما نسخ الوصية للوارث بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: فالناسخ لا يكون إلا ما يجوز اجتماعه والمنسوخ، فلا يحكم بهما في حال واحدة على إنسان واحد.
والنظر يوجب عندي أنَّ الوصية للوالدين والأقربين غير منسوخة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ (2) ليس بنسخ لها، وإنَّما هو بيان لحكمها؛ لأنَّه من ليس بوارث من والدين وأقربين فالوصية لهم واجبة. ومن لم يقل: إنَّها
(1) في النسخ: قوم إلا الآيتين ولا معنى للاستثناء هنا. (2) رواه الربيع، في كِتَاب الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، بَابُ الْوَصِيَّةِ، (676، 264/ 2. الترمذي: السنن، كتاب الوصايا، باب ما جاء لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ، ر 2120، 2121، 433/ 4 - 434.