الجزء الثاني والعشرون
الجزء ١٩ · صفحة ٦٠١باب [93]: فيما يجوز للمديون من تأخير الْحَقِّ، وما لا يجوز
601
فإن قَالَ: ولم قلتم يكون عاصيا بتأخيرها ولم يطلب [منه]؟ قيل له: إنَّ
حقا
لهم.
الفقراء ليسوا بخصوم فيها، وإن كانوا استحقوها؛ فالله تعالى جعلها فإن كانوا شديدي الحاجة إليها وهو يعلم بذلك؛ كان آثما إن حبسها عنهم.
آثم
فإن قَالَ: ولم جعلتم لمن كان عليه زكاة ولم يطالب بها أن يكون غير بتأخيره إيَّاها؟ قيل له: لا تمانع بين أهل العلم أن أهل القرى والمواضع في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أعصار الأئمة كان [تجب] عليهم الزكوات، وكانوا يحبسونها إلى أن يصل القابض لها، ولو مضى لذلك المدة الطويلة؛ فهذا يدل على أن تأخيرها غير مخرج صاحبها عن عدالته ومنزلته.
فإن قَالَ: فإذا لم يكن لهذا المغتصب والمتعدّي والذي عليه الديون والمظالم أن يحبس عن أصحاب الحقوق حقوقهم، ويؤخّر هذا المال في يده؛ فلم أجزتم له بيعه والتجارة فيه؟ قيل له: فإذا لم يكن المال الذي في يده هو الذي اغتصبه بعينه، وأخذ بغير رأي صاحبه؛ فهو مالك في الحقيقة، وليس لأصحاب المظالم على ماله سبيل وليس هو بمال لهم بل هو ماله، وإِنَّمَا قلنا: إنَّه يأثم بتأخيره إيَّاه عنهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مطل الموسر ظلم».
فإن قَالَ: فإذا قلتم: إنَّه مالك لهذا المال في الحقيقة، وإنَّ ملك أصحاب المظالم زائل عنه؛ فقولوا: إنَّ له يهبه ويتَّجر به، ولا إثم عليه؟ قيل له: إِنَّمَا قلنا: إنَّه آثم لتأخيره إيَّاه عن قضائه في المظالم؛ لأنَّ الله قد أمره بذلك، فهو آثم لمخالفته أمر الله. ويدلُّ على ذلك أنَّ المسرف يكون عاصيا في إنفاقه ماله، وهو عاص لربه بنهي الله إيَّاه، مع ذلك فهبته وعطيته وبيعه وشراؤه
جائز؛ لأنه ملكه، وإن كان في فعله آثما.
فإن قال: ولم لا يجوز أن يكون الفقراء خصوما في مطالبة الزكاة إذا
غاب الإمام وعدم، وأن يقوموا في ذلك مقام أصحاب الدين؛ لأن الزكاة هي