الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٨368
كتاب
الجزء الثاني
ومن الأحقاف:
- قُلْ مَا كُنتُ بِدْعَا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ (الأحقاف: 9) نزلت هذه الآية بمكة، ففرح كفَّار مكَّة فقالوا: واللات والعزَّى مَا أَمْرُنَا وَأَمْرُهُ عند إِلَهِهِ الذي بعثه إلا واحد، ولولا أنَّه ابتدع هذا الأمر من هواه لكان الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن اتَّبعه، كما فعل لسليمان وعيسى والحواريين وكيف أخبرهم بمصيرهم، فأمَّا محمد فلا علم له بما يفعل به ولا بنا، إنَّ هذا من الضلال كلَّ الضلال وشق على المسلمين نزول هذه الآية، فقال أبو بكر وعمر رحمهما الله: ألا تخبرنا يا رسول الله ما الله فاعل بك وبنا؟ فقال: «ما أُحدِثَ إِلَيَّ أمر بعد».
فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال عبد الله بن أبي ـ رأس المنافقين ـ: كيف تتَّبعون رجلًا لا يدري ما يُفعل به ولا بمن اتَّبعه؟ هذا والله الضلال (1) المبين، فعلم الله وكل ما في قلوب المؤمنين من الحزن وعلم فرح المشركين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فبين الله جل للنبي صلى الله عليه وسلم ما يفعل به ومن اتبعه، فصارت قوله: ﴿وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ) منسوخة، نسختها آية إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾: قضينا لك قضاء بيّنا بالإسلام. نزلت بالمدينة بعدما رجع من الحديبية، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾: لكي يغفر الله لك بالإسلام (2) /176/ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ: ما كان في الجاهلية، {وَمَا تَأَخَرَ: وبعد النبوَّة.
وأخبره الله تعالى بما يفعل به، فخرج صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فقال: «لقد أنزلت عليَّ آية لهي أحبُّ إليَّ مِمَّا بين السماء والأرض»، فقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا
(1) في (ز): «الخلاق». (د): «الخلاف». وفي كلا الاحتمالين يبقى المعنى غامضًا، وصححناه من النكت والعيون للماوردي، 138/ 4 (ش). تفسير العزّ بن عبد السلام 103/ 6. (ترقيم الشاملة). (2) في (ز): «بالسلام».