كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٧٥

باب 9: في أحكام القرآن

وأما من زعم أنَّ السُّنَّة تنسخ القرآن والقرآنُ لا ينسخ السُّنَّة فإنَّ من الحجة عليه أن النبي لم يزل يصلي إلى بيت المقدس بغير قرآن نزل، ثمَّ

إنَّ الله - تبارك وتعالى ـ نسخ ذلك بقرآن أنزله، وحول القبلة إلى الكعبة. وأما من قال: إنَّ نسخ القرآن مفوّض إلى الأئمة، فإنَّهم احتجوا بأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجتهد رأيه في الأحكام قالوا: إذا كانت السنة اجتهادًا منه فقد يجوز أن ينسخ القرآنَ السُّنَّةُ، فإذا جاز ذلك من طريق الأحكام /180/ قالوا: فجائز للإمام بعده الذي نُص (1) عليه أن يجتهد فيما فُوّض إليه، فالحجة عليهم غير قليلة من ذلك:

قوله جل ذكره: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا أَنْتِ بِقُرْآنِ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَايِي نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى) (يونس: 15).

- وقوله عل: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى) (النجم: 3 - 4). . وأما من زعم أنَّ الله جل ذكره لا يعلم الشيء حتى يكون وأجاز البداء على الله تعالى، كما أجاز غيرُه النسخ على أخبار الله ـ تبارك وتعالى ـ وصفاته؛ فالحجة عليه قوله وجَل: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَلَيْنَنَا نُرَدُّ … ) الآية (2)، ثُمَّ قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا … ) الآية (3)، فأخبر بما يقولون قبل أن يقولوا، فقد علم ما يكون من قولهم قبل أن يكون وعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون الله. ونظائر هذا كثير في القرآن. وبالله التوفيق.

(1) في النسخ: «قص».

(2) الأنعام: 27. وتمامها: ﴿وَلَا نُكَذِبَ بِايَتِ رَبَّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. (3) الأنعام: 28. وتمامها: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ).