كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٦

386

كتاب

الجزء الثاني

وأمَّا الذي يدلُّ على قدرة الآمر وعجز المأمور فمثل قوله رجل: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقَا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ (الإسراء: 50 - 51)، ومعلوم أنَّ الله تعالى لم يرد منهم أن يجعلوا أنفسهم حجارة أو حديدا، إذ ليس ذلك في طاقتهم وقدرتهم، وإنما أراد تعالى أن يبين عجزهم.

وأما الذي يدلُّ على التهدد والزجر فمثل قوله تعالى: {أَعْمَلُوا مَا شِنْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (فصلت: (40)، {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ … الآية (1)، ﴿وَقُل لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اَعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ﴾ (هود: 121). وهذه الآيات لم يردن على مقدمات قبلهنَّ وقرائن بعدهنَّ تدلُّ على التهدد والزجر.

وأما الذي يدلُّ على الإطلاق بعد الحظر فمثل قوله وعل: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ … الآية (2)، وكقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا) (المائدة: (2) وقد أجمعوا جميعًا أنَّ الانتشار والاصطياد غير واجبين.

وأمَّا الذي يدلُّ على التكوين دون امتثال الأمر فمثل قوله جل وعزّ: كُونُوا قِرَدَةً خَسِنِينَ} (البقرة: (65)، فقد تقدمت المعرفة أنهم غير قادرين على تكوين أنفسهم قردة، فدلّت المقدّمة على التكوين دون امتثال

الأمر.

والله تعالى خاطبنا بما تعقل العرب في خطابها، والعرب تسمي «افعل» أمرًا ونهيًا؛ فإذا أمر من تجب طاعته والانقياد لأمره كان على المأمور إتيان ما أمر. وبالله التوفيق.

(1) التوبة: 105. وتمامها: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَتَكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

10

(2) الجمعة: 10. وتمامها: {وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.