كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٨

388

كتاب

الجزء الثاني

الفور وآخر العمر؛ فآخر العمر مجهول، والوسائط أيضا مجهولة الأوقات، ولا سبيل إلى علم ذلك؛ وإذا كان مجهولاً لم يصح تعلق العبادة به، وما كان آخره مجهولًا لا تعرف وسائطه لم يلزم فعله، وإذا بطل هذان الوجهان صح (1) إيجابه على الفور، والله أعلم؛ لأنَّ الأمر إذا أمر من تجب له الطاعة عليه وأزاح العلل، وكان الأمر يريد تعجيل الفعل المأمور به، لم يكن للمأمور تأخير الفعل عن أوّل أوقات الإمكان؛ ويدلُّ على هذا قول الله وعل: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ … الآية (2)، فأوجب علينا المسارعة إلى الأفعال التي تؤدّينا إلى الجنَّة والغفران. والله أعلم.

مسألة [تأخير البيان عن وقت الخطاب]

جعل الله - تبارك وتعالى - الخطاب للفائدة والإفهام، وليعلم المأمور غرض الأمر ومراد المخاطب والحكيم تعالى لا يخاطب بما لا فائدة فيه، ولا يأمر إلا بما يُفهم عنه، ألا ترى أنَّه غير جائز أن يأمر أحدًا بالقعود وهو يريد منه القيام؟ لأنَّه إنَّما يأمر ليمتثل أمره، فإذا لم يبين مراده لم يمكن (3) أن يمتثل أمره، ولا أن يعتقد طاعته فيما كلفه إيَّاه. وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يتأخَّر البيان عن وقت الخطاب وتمام فصل الكلام؛ /187/ لأنَّ تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر؛ لأنه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم وهو يريد التقييد والخصوص، ثُمَّ لم يقرنه بدلالة؛ تبين عنه أنه قد ألزم عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراد منهم .... وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.

(1) في النسخ: «قبح»، وفي الهامش: «لعله صح»، وهو ما في منهج الطالبين. (المصدر نفسه). (2) آل عمران 133. وتمامها: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. (3) في (ز): «يكن».