كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٦٧

باب 4: في الإيمان والإسلام

67

أنس بن مالك قال خرج النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يوما فاستقبله شاب من الأنصار يقال له: حارثة بن النعمان؛ فقال: «كيف أصبحتَ يَا حارثة؟» قال: أصبحت مؤمنًا حقا، قال النبي: انظر ما تقول، فإنَّ لِكُلِّ حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» فقال حارثة (1): عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرتُ ليلي، وأظمأت نهاري، وكأنّي أنظر إلى عرش ربِّي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الْجَنَّة في الْجَنَّة كيف يتزاورون، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم /47/: «يا حَارثة، أبصرتَ فَالزَم ثلاث مرات - وروي عَرَفتَ فَالزم (2) - عبد نور الله الإيمان في قلبه ونودِي يوما في الخيل: يا خيل الله، اركبي. | قال: فكان حارثة أول فارس ركب، وأوّل فارس استشهد، فجاءت أمه إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أخبرني عن ابني حارثة، أين هو، إن يكن في الْجَنَّة لم أَبْكِ ولم أحزَن، وإن يكن في النار بكيت (3) ما عشت في الدنيا؟ فقال: «يا أم حارثَة، إِنَّهَا لَيْستْ بِجَنَّة وَاحِدَة، ولكنَّها جنان، وإنَّ حارثة في الفردوس الأعلى، فانصرفت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة (4). وقوله: «عزفت نفسي عن الدنيا»، أي: انصرفت عنها، والعزف: أن تنصرف النفس عن الشيء فتدعه، والعَزِف من ذلك وهو الذي لا يكاد يثبت خلة خليله، قال الشاعر: ألَم تَعلَمِي أَنِّي عَزُوفٌ عَن الهَوى إِذَا صَاحِبي مِن غَيرِ شَيءٍ تَغَصَّبا)

على

(1) في (م): + قد.

(2) ذكر هذا اللفظ الطبراني في الكبير عن الحارث بن مالك، ر 3367، 266/ 3. (3) في النسختين: + و.

:

(4) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس بلفظه باب، ر 10590، 362/ 7. (5) البيت من الطويل لعبد الرحمن بن الحكم. انظر العين مادة: عزف. والأغاني لأبي الأصبهاني، 345/ 3.

الفرج