الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٨208
كتاب
الجزء الثالث
وقال أبو عبيدة في قول الله وعل: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}: جارَ عنه، وأنشد لرؤبة:
يَهوِينَ فِي نجدٍ وغَورًا غَائِرًا فَوَاسِقًا عَن قَصدِهَا جَوَائِرَا (1) قال: وهذه كلمة لم نَسمعها في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثهم، وَإِنَّمَا تكلمت به العرب بعد نزول القرآن. وفي الحديث: «أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سمَّى الغرابَ فَاسقا» (2)، قال: الفاسق العاصي، وأصله الخروج عن الشيء. وفي حديث ريطة بنت مسلم (3) قالت: قال أبي: شهدت مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حُنينًا فقال: «مَا اسمك؟» قلت: غُرَاب ـ وكان يُسمَّى غُرابا .. قال لي: «بل أَنتَ مُسلِم» (4)، فكأَنَّه سماه بضد اسمه؛ لأَنَّ الغراب فاسق خارج عن الطاعة، والمسلم مقيم على الطاعة منقاد، وكان الغراب يسمى فاسقا لخروجه عن سفينة نوح وتركه طاعته، والله أعلم. وقد سمى الله وعمل المنافق فاسقًا فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة: 67)؛ لأنَّ الفسق هو الخروج عن الطاعة، والفاسق مأخوذ من ذلك.
(1) البيت من الرجز لرؤبة بن العجاج. انظر: ابن الأنباري: الزاهر في معاني كلمات الناس،
120/ 1
(2) رواه ابن ماجه عن عائشة بلفظ: «قَالَ: الْحَيَّةُ فَاسِقَةٌ وَالْعَقْرَبُ فَاسِقَةٌ وَالْفَأْرَةُ فَاسِقَةٌ وَالْغُرَابُ فَاسِقٌ، باب الغراب، ر 3240.
(3) في النسختين: أم ريطة بنت مسلم»؛ ولعل الصواب ما أثبتنا. وقد ذكرها الحاكم في المستدرك، 307/ 4، وابن حجر في الإصابة، 113/ 6؛ باسم «ريطة». وذكرها الطبراني في
الكبير، 433/ 19، والروياني في مسنده، 472/ 2، وغيرهما باسم: «رائطة»؛ والله أعلم. (4) رواه البخاري في الأدب المفرد عن رائطة بنت مسلم بلفظه ر 824، 287/ 1. والحاكم في المستدرك، عن ريطة بنت مسلم، ر 7727، 307/ 4.