الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣[مقدمة المؤلّف]
203
وهو فنّ، وكم مثل هذا وأكثر وأقلّ، وأكثر من العلوم المصنفة والكتب المؤلفة. فلو استطعتُ أن أجمع كل العلوم في هذا الكتاب لفعلت، لكن ذلك ما لم يكن لمتقدم ولا يكون لمتأخّر، فهو وإن كان كبيرا فبالقياس لغيره يكون صغيرًا، وقد جمع ما تفرَّق في سواه، وهو مع ذلك بحمد الله مهذب التصنيف، ومصوّب التأليف، إلا أن يعترضه طعن حاسد، أو يمرضه عين (1) معاند، وما الباطل بمقبول من أهله، وما الحق بمنقول عن أهله، وما الحَقِّ بمنقول عن أصله، والسكوت خير من الخلاف العاري من البرهان، والخرس أفضل من قول بغير بيان. ويجب لمن رام لغيره المعارضة، ولأقاويله المناقضة ألا ينطق إلا بالبراهين لاسيما فيما يتعلق بالدين.
وللناس مذاهب فيما يألفونه (2)، ومطالب فيما يصنفونه، فمنهم من يريد
بذلك تدليسًا، ويقصد فيه تلبيسًا. ومنهم من يعتمد للمناقضات، ويجتهد في المعارضات. ومنهم من يطلب بذلك الدنيا والمفاخرة، لا الدين يريد والآخرة. ومنهم من يعتمد به التقوية للمسلمين، ويعتقد فيه النية لربّ العالمين. فيجب لمن ألف كتابًا أن يقصد به تأييدًا للدين، وإرشادًا للمسلمين، وأن يصحح كلامه، ويوضح نظامه، ويحذر غلطات الكلم، وسقطات القلم، فإنه يعرض علمه وعمله وعقله وحمقه وجهله. روي عن إياس بن معاوية أَنَّه /14/ قال: ألف كتابًا فقد استهدف فإن أحسن فقد استشرف، وإن أساء فقد استقذف. لا يخرج كتابه من يده حَتَّى يقرأه ويصححه، ويجرده ويوضحه؛ ليخرج سالمًا صحيحًا واضحًا فصيحًا. قال هشام بن عروة: قال لي أبي: نعم. قال: عرضت؟ قلت: لا. قال: فلم تكتب.
من
كتبت؟ قلت:
(1) في (ت): غين.
(2) كذا في (س)، وأشار إلى نسخة فقال: «خ يقولونه». وهو ما جاء في النسخة (ت). (3) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو المنذر (61 - 146 هـ): تابعي محدث. ولد وعاش في المدينة. زار الكوفة، ثُمَّ بغداد وافدًا على المنصور العباسي فكان خاصته، وتوفي بها. روى نحو أربعمائة حديث. انظر: الزركلي: الأعلام، 87/ 8.
من