كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٤٠٩

باب 31: في ما جاء فيمن عق والديه

409

ومن كتاب قيل: ثلاثة تُرجى لهم المغفرة رجل أرضى والديه، وعبد أرضى مولاه، وامرأة أرضت بعلها.

ومن كتاب قيل بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الركن والمقام إذ هو بغلام شاب مغلولة يده إلى عنقه يطوف ويقول: رب اغفر لي وما أراك تغفر لي، فنظر إليه ثُمَّ قال: «يا غلام، أَراك تنسب إلى الله البخل فما يدريك أَنَّهُ لا يغفر لك؟». قال: إن ذنبي عظيم. قال: «مَا أَعْظَم؟ ذنبك أم الجبال؟» قال: بل ذنبي. قال: «فما أعظم ذنبك أم البحار؟ قال: بل ذنبي. قال: «فما أعظم؟ ذنبك أم الدنيا؟» قال: بل ذنبي. قال: /299/ ما أعظم ذنبك أم الله؟» قال: بَل ربِّي. قال: «فما ذنبك؟ أخبرني به قال: يا رسول الله إني كنت غلامًا كثير الذنوب صاحب شراب، فدخلت إلى منزل والدتي سكران فسألت طعامًا فقدمت لي قُرصي شعير وملح جرش، فرفعت يدي فلطمتها فمَرَغَت واعتفر جبينها، فقامت وهي تقول: يا عُفير (1)، لا غفر الله | لك، وأخذك بحقي. فقال: «يا غلام، إن ذنبك عظيم، إن ذنبك عظيم، ولكن دلني على والدتك». فخرج حتّى أتى شِعبًا بمكة، يقال له: «حباك الصغير»، فَلَمَّا صار إلى آخر الشعب فإذا هو بعجوز كبيرة في خيمتها فقال: «السلامُ عليكِ يا عجوز»، فردت عليه السلام؛ ثُمَّ قال لها: «يا عجوز أنت أمّ عفير؟ قالت: نعم، لا غفر الله له. فقال لها: «هل لك أن تغفري ذنبه»؛ قالت وحقك يا رسول الله لأغفر له الساعة (2) إن شاء الله. فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عفير، اعبد الله وأبشر فإِنَّ الله غفور رحيم». فأقام على ذلك شهرين من الزمان، فَلَمَّا حضرته الوفاة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل معي: أشهد أن لا إله إِلَّا الله»، فلم ينطق لسانه، فقال النبي:

(1) عُفَير: تصغير ترخيم لأعفر من العُفرَة، وهي: الغُبرَةُ في حمرة، ولون التراب والأرض أيضًا. والعُفرة شعرة القفا من الأسد والديك وغيرهما. انظر: اللسان؛ تاج العروس، (عفر).

(2) في (ب): لا غفرت الساعة له.