الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٤١١باب 31: في ما جاء فيمن عق والديه
411
فقلت: أرشدوني إليه، فأرشدوني إلى خيمة مضروبة، فأتيت الخيمة فإذا أقوام داخلون وأقوام خارجون، فدخلت عند من دخل فإذا أنا بشاب قد تفرد بالأحزان ما يظن إلَّا أنَّ النار قد خُلقت من أجله، وعليه مدرعة من مسوح، وفي عنقه طوق عظيم وسلسلة طويلة، وقد أقام غلاما فظا غليضًا على طرف السلسلة، كلَّما غفل عن ذكر الله را جذبه الأسود جذبًا عنيفا نادى الفتى بصوت ضعيف حزين من قلب محترق وهذا جزاء من وثب على محارم الرحمن في رجب وشعبان ولم يراقبه في رمضان قال مالك: فأقلقني ـ والله ـ ما رأيت من شأنه، فتنحيَّت ناحية حتّى يفرق الناس عنه، ثُمَّ دنوت منه فسلمت /301/ عليه فردَّ عليّ السلام ورحب بي وأدنى مجلسي، وقال: من | أين أنت؟ قلت من أهل العراق. قال من أيّ العراق؟ قلت: من أهل البصرة. قال: بخ بخ، لقد ذكرت بلدا يجري فيه العلم جريا. قال: هل تعرف بها رجلًا قد برز على العبّاد بعبادته يقال له: مالك بن دينار؟ قال: فاستحييت أن أقول: أنا مالك بن دينار، ثُمَّ تذمَّمت (1) أن أكذب فقلت: أنا مالك بن دينار، فنكس رأسه حياء منّي، وخنقته العبرة وأسبل دموعه على خده ولحيته، وأطرق مليًا ثُمَّ قال: يا أبا يحيى بحقِّ من أذلني بالمعصية وأكرم الأولياء بالطاعة ألا أخبرتني بالحق ولم تستح منّي: هل رأيت البارحة في منامك أنَّ الله تعالى قد غفر لأهل مكة ومنى وعرفات ومزدلفة وغفر لك ما خلا المشؤوم صاحب العصيان المطرود عن باب الديان المحروم عبد الرحمن. قال مالك: من أين علمت هذا؟ قال: إنّي منذ عشر سنين أحج فلا يقبل حجي، وأجاهد فيضرب بها وجهي؛ يا أبا يحيى فما حيلتي؟
(1) تذمم منه: أي استنكف واستحيا، وإنّي أتذمم من القوم أن أتحول من عندهم إلى غيرهم، ولم أر منهم إلا ما أحب الزمخشري: أساس البلاغة (ذمم).