كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٤٧٤

474

كتاب

الجزء الرابع

العقوبة؛ فإذا كانت العرب تفخر وتتبجح بالصفح عن الجرائم كان الله تبارك وتعالى - أولى بالصفة الجميلة وكل (1) صفة حسنة.

قلنا لهم: هذا لا يجوز على الله - تبارك وتعالى، وذلك أن العرب تعرفهم في أنَّهم كما عفوا عن الأمر الذي هو أعظم، وعفوا عما كان أشد عداوة، وتركوا الاقتصاص عما قدروا عليه؛ فمن بالغ في عداوتهم وكان ذنبه فيهم أكبر الذنوب [فَـ] إنَّ العفو منهم عن مثل هذا أحسن في الصفة، والمدح لهم عليه أكثر، وشكرهم عليه أحسن ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون الله - تبارك وتعالى ـ أولى في صفته ـ إن كانت هذه الصفةُ المدحَ ـ أن يكون يعفو عمن جحده وأشرك به وجعل معه ثانيا، وجعله مِمَّن يتخذ الصاحبة والولد؛ كان العفو عن هؤلاء أجمل، والشكر له على ذلك أكثر. فَلَمَّا أجمعوا جميعًا أَنَّهُ لا خلاف بينهم أَنَّهُ لا يَعفو عن أحد من هؤلاء مِمَّن أشرك به وجحده ولم يؤمن به ولم يصدق رسله، [علمنا أنَّ] المدح ليس لأجل العفو عن الذنب الكبير أو الصغير، ولا لاستواء صفة الخالق والمخلوق.

وأيضًا فإنَّ الذي يعفو منا بعد تواعده بالعقوبة وعزمه عليها وإرادته بأن يُوقعها بفاعلها أَنَّ ما يبدو له أن العفو أحسن من إمضاء العقوبة، ويبدو / 340/ له أَنَّ الصلاح له في ذلك، ولم يكن عَلِمه حتّى توعد به وأراد إمضاءه في الوقت والله - تبارك وتعالى - ليس كذلك صفاته؛ لأَنَّهُ (2) لا يجوز أن يبدو له ما لم يكن عَلِمه بالأمس وحدث له علم

الصلاح في العفو.

(1) في (ب): ذَلِكَ.

(2)

(أ): أَنَّهُ.