الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٤٧باب 3: في الدواب والطّير النجس منها والطاهر
قيل له: إن الله تعالى حرَّم شحم الخنزير وغيره منه من وجوه، الإجماع؛ وكفى به حجة.
47
أحدها:
ووجه آخر: أنَّ الخنزير مُحرّم بكليته؛ لأنَّ الله ـ جلَّ ذِكرُه ـ قال: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} (الأنعام: (145)، فردّ الكناية إلى أقرب المذكور وهو الخنزير؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنزير) فأتى بذكر الخنزير بعد اللحم وردّ الكناية إليه فقال: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ، وهذا موجود في اللغة، تقول العرب: أكرم غلام زيد فَإنَّ له عليّ حقا، يريد بذلك زيدًا وإن كان يجوز أن يريد العبد؛ لأنَّ زيدًا أقرب المذكورين؛ فإذا جاز هذا في وجب القول به عمومًا.
اللغة
ووجه آخر: إنا لا نتوصل إلى شحم الخنزير إلَّا من وجهين: إما في حياته، أو بعد قتله؛ فإن أخذناه في حياته فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل المأخوذ منه ميتة؛ بقوله: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِي حَيَّة فَهُو مِيتَةٌ».
كذلك لو أخذنا شحم الشاة وهي حيَّة (1) كان مُحرّما، وإن أخذنا ذلك
ما
بعد إتلافه فالذكاة غير لاحقه به؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أخرج الخنزير من جنس يذكى وجعله في جنس ما وجب قتله وإتلافه، حيث قال: «بعثتُ بِكَسرِ الصَّليب، وقتل الْخِنزير، /18/ وَإِرَاقَةِ الْخَمرِ» (2)، إذا كان هذا على ما بيَّناه لم نتوصل إلى أخذ شحمه من طريق لا يُسمى ميتة، وفي الإجماع كفاية عما ذكرناه، وبالله التوفيق.
(1) في (ص): «في حياتها».
(2) رواه مسلم عن أبي هريرة بلفظ قريب كتاب الأيمان، باب (71) نزول عيسي بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ر 155، 135/ 1. وأحمد، نحوه، 538/ 2.
حاكما