الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٧٧باب 8: في الماء وأحكامه
مسألة [تعلّق التحليل والتحريم بالأسماء]
177
وجه قول أبي عبيدة في المياه ووقوع النجاسات فيها: إنَّ كلّ ما حلته النجاسة فغيّرت طعمه أو لونه أو ريحه فالماء، نجس، فإن لم تغيّر له لونا ولا طعما ولا رائحة فالماء طاهر غير منتقل عن حكمه الأول.
فإن كانت النّجاسة جامدة أخرجت من الماء واعتبر حالها بعدها وحكم
له بحكم اسمه. وإن كانت النّجاسة مائعة واكتسبت صفات الماء فقد صارت ماء؛ لأنه تغيّر الجوهر بالصفات وتكسوها الأسماء بها؛ لأنَّ] الأسماء [ليست] مأخوذة من طريق الكثرة أو الوزن (1)، وَإِنَّمَا تتعلَّق الأسماء من طريق الصفات ولو جعل الله تعالى البول من غير حلول ما فيه سمي ماء، وجوّز استعماله لاستحقاقه اسم الماء؛ ألا ترى أنَّ البول قد كان ماء فلما اكتسى صفات البول صارَ بولا، والجوهر واحد. وكذلك ||130|| الطعام إذا اكتسى صفات النجو صار نَجوّا، وإن كان الجوهر واحدا. وقد ذكر بعض المفسرين {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ) (عبس: 24) أي: إلى عذرته، كأنه قال ـ والله أعلم - الذي كان طعامه.
وكذلك عصير العنب يُسمَّى عصيرًا من طريق الصفات، وإذا انتقلت أوصافه
إلى أوصاف الخمر سمّي خمرًا، وحرّم بعدما كان حلالا، والجوهر واحد. وإذا اكتسى الخمر صفات الخلّ سمّي خلا؛ لانتقاله إلى صفات الخل، فصار حلالا بعد أن كان حراما، والجوهر واحد.
وإذا كان الأمر على ما قلنا؛ فالتحليل والتحريم معلق بالأسماء، والأسماء مأخوذة من طريق الصفات، والله أعلم.
(1) في النسخ: «من الطريق الكيل والوزن، ولعلَّ الصواب ما أثبتناه من: منهج الطالبين،
18/ 3 (ش).