الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٣١٤314
كتاب
الجزء الخامس
الدليل على ذلك: أنَّ اليقين لا يرتفع بالشك؛ لأنَّه يتيقن بعلم، وما شكّ فيه فغير معلوم، والمعلوم لا يرتفع بغير معلوم.
ووجه آخر: أنَّ الله - جل وعلا ـ قد أوجب علينا إتيان الطهارة، فإذا تيقنا الحدث فقد لزمت الطهارة، ولا يجوز أن يرتفع ما تيقنا وجوبه
بالتجويز.
وقال بعض أصحابنا: من تطهر لصلاة بعينها ثم شك في صلاته أَنَّه لا يُصَلِّي بتلك الطهارة حتَّى يتيقن أنه لم يحدث. قال أبو محمد: وهذا قول عندي فيه نظر؛ لأنَّ الطهارة مأمور بها من كان محدثًا، فإذا حصلت له وتيقنها له كان له أن يُصَلِّي ما شاء بتلك الطهارة ما لم يحدث، فإذا تيقن
ثبوث الطهارة لم يكن شكه فيها هل أحدث أو لم يحدث برافع ما تيقنه.
ووافق هذا الرأي أهل المدينة؛ واحتجوا بأنَّه إذا شك في هذا الحدث لم تجز صلاته حتَّى يتيقن الطهارة وليس له أن يبقى على اليقين الأول، فكما لم تسقط عنه الصلاة إلا بيقين، وكذلك الطهارة التي يدخل بها الصلاة لا يجزئه إلا بيقين. والجواب عنها: أنَّ الخبر قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالثبات باليقين المتقدم بالطهارة بقوله: إذا شكّ أحدكم فلا ينصرف حتَّى يَسمع اصوتًا أو يشم ريحا»، فلما جعل البناء على الصلاة مع وقوع الشك، وكذلك ينبغي أن يكون استفتاح الصلاة مع وقوع الشك في الطهارة، لا فرق بينهما، وبالله التوفيق.
فإذا ثبث الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالثبات باليقين فليس إلّا اتّباعه. وقد وافقنا الشافعي في هذا، وقال: من ثبت له حكم يقين بشيء لم يزل عنه إلا بيقين ثان. ثمَّ لم يمض على قوله واستقامته في هذا الباب حتّى قال في