كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ٤٨٢

482

كتاب

الجزء السادس

وقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55)؛ ففيما تلونا من الآيات ما يدلّ على ما قلنا وعلى فضل الدعاء، وعلى أن الإجابة مضمونة إذا وقع على الوجه المرغب فيه دون المحصور منه؛ لأنَّ ما لا يجوز ليس يقع الضمان بإجازته، لأنَّ ليس في الحكمة أن يقول للناس: سلوني ما لا يجوز أن أجيبكم إليه؛ لأنَّ ذلك يقع على غير فعل الحكيم.

ولا ينبغي للعبد أن يسأل ربّه إلا ما يكون بدعائه مطيعا، ولا يجوز أن يسأله ما لو فعله كان خروجًا من الحكمة، وذلك مثل قوله: «اللهم أحي لي من أهلي قبل يوم القيامة، وأرجعهم إليَّ في الدنيا، واجعل مدة

أُمَتْ

عمري

ملگا

ألف سنة، وهب لي مثل ملك سليمان».

ولو دعا بهذا كان جاهلا متحكّما على الله تعالى، وخارجا عن حدّ مسألة المتهيب الخاضع إلى حدّ مسألة المتحكّم الملزم، وليس /321/ من مسألة العبد لسيده في شيء، وإنَّما تجري مجرى الأمر والإلزام وإيجاب الفرض. ودعاء العبد لربه فهي مسألة الخاضع المسكين، ومن هذا ونحوه لم يجز أن يدعو داع فيقول: «لا تَجُر عليّ ولا تظلمني، وإن كان معلومًا أنَّ الله تعالى لا يفعل شيئًا من ذلك؛ لأنَّ هذا اللفظ وما شاكله يخرج من خطاب التعظيم والهيبة والإجلال؛ فمن أجل ذلك لم يجز هذا أو شبهه في دعاء الله تعالى. وجائز أن يقال: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: 286)، وإن كان من حكمة الله أنَّ الله لا يحمّل أحدًا ما لا طاقة له به [إلَّا] إذا كان في هذا كله ما يدلّ على الخضوع والاستكانة والانقياد، وليس من الأول من شيء.

وقد اختلف الناس في إجابة الله تعالى لمن يدعوه؛ فقالت المعتزلة: إنّ ذلك ثواب للداعي، وإن كان الكافر والفاسق لا يستجاب دعاؤهما؛ لأنهما