الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠٠كتاب
ويجب
الجزء الأول
أن لا يظهر له الاستكفاء منه، ولا الاستغناء عنه؛ فإن في ذلك كفرًا لما أولاه، واستخفافًا بحقه، ولا يقصده بتعنت في سؤال، ولا يعتمده بتنكير له بحال؛ فإن أخذ من العلم حظا، وحوى منه صدرًا وحفظًا، فيكون كمن تقدم فيه المثل السائر لابن البطحاء:
أعلمه الرماية كُلّ يوم فَلَمَّا اشتد ساعده رماني
وروي:
(1)
أُعَلِّمُهُ الرَّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ فلما استد ساعده رماني) فمن روي «اشتدَّ بالشين فمعناه: اشتدَّ وقوي ومن روى بالسين فمعناه لَمَّا تسدّد لقصد، الرمى والسداد القصد، ومنه التسديد. وهذه الحالة من
6
مصائب العلماء أن يستجهلهم من علّموه، ويسترذلهم من خرجوه وفهموه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما كلمته ابنة حاتم، فقال لها: «مَنْ أَنْتِ؟» فقالت: ابنة الرجل الجواد حاتم. فقال: ارْحَمُوا عَزِيزَ قَومٍ ذَلَّ، وَارْحَمُوا غَنِيًّا افْتَقَرَ، وَارْحَمُوا عَالِمًا ضَاعَ بَيْنَ جُهَّال» (2).
وقال صالح بن عبد القدوس:
وإِنَّ عَنَاءً أَنْ تُعَلِّمَ جَاهِلًا وَيَحْسَبُ جَهْلًا أَنَّهُ مِنكَ أَعْلَمُ مَتَى يَبْلُغُ البُنيَانُ يَوْمًا تَمَامه إِذَا كُنتَ تَبنِيهِ وَغَيرُكَ يَهْدِمُ مَتَى يَنتَهِي عَن سَيْءٍ مَن أَتَى بِهِ إِذَا لَم يَكُن مِنْهُ عَلِيهِ تَنَدُّمُ (3)
(1) البيت من الوافر لمالك بن فهم الدوسي الأزدي لَمَّا رماه ابنه بسهم فقتله. انظر: فصل المقال في شرح كتاب الأمثال للبكري 421/ 1. والعين، (سد). (2) رواه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله 131/ 1. والماوردي في أدب الدنيا والدين،
76/ 1 (ش).
(3) الأبيات من الطويل لصالح بن عبد القدوس؛ ذكرها بألفاظها الماوردي في أدب الدنيا والدين، 77/ 1 (ش). والقالي في الأمالي في لغة العرب 96/ 2. مع اختلاف في البيت الأول: « .. أن تفهم ..... منك أفهم».