الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠٢402
كتاب
الجزء الأول
ويجب أن يميل إلى العلوم إلى ما تميل إليه نفسه، ولا يُكرهها على ما لا تميل إليه، ولا يتكلف الحرص عليه؛ فإن النفس غير آخذة ما لا تهواه.
فقد قال علي بن أبي طالب: إنَّ القلب إذا كره عمي.
وقال بعضهم:
ويجب
لا تطلب سوى ما النفس طالبة فربما فاتك الأمران ثَمَّ معا (1) أن لا يأخذ هذا الفن تاركًا لما سواه من الفنون، بل يرغب نفسه في غيره ويشهيها ويحببه إليها ويمنيها، ولا يكون عن غير ما رغب فيه من الفنون راغبًا ولمتحمله عائبًا؛ بل يكون فيه راغبًا، وله معظَّما طالبًا؛ فإن قليل العلم، كثير، وصغيره كبير. قال الشاعر:
تَرَقَّ إِلَى صَغِيرِ الْأَمْرِ حَتَّى يُرَقِّيَكَ الصَّغِيرُ إلَى الْكَبير
فَتَعْرِفَ بِالتَّفَكُرِ فِي صَغِيرٍ كَبِيرًا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الصَّغِيرِ "
(2)
وقد قال بعض الحكماء: عليك بالعلم والإكثار منه، فإن قليله أشبه شيء بقليل الخير، وكثيره أشبه بكثير الخير، ولن يعيب الخير إلَّا القلة، فَأَمَّا كثرته فَإِنَّهَا أمنيته. ويجب إذا ظفر بمعلم أن يلزمه، فربما عَظُم أَسَفُه إن عدمه، ولينتهز فرصته بأخذه عنه، وليستنفد غنيمته منه فليس في كلّ أوان للبغية إمكان، ورُبَّما شحَّ الزمان بما سمح، وضنَّ بما منح، والأشغال صاده، والأحوال راده.
ويجب أن لا يدع جهده في التعليم فيُفضي به ذلك إلى الملال والترك
(1) البيت من البسيط، لم نجد من ذكره.
(2) البيتان من الوافر، ذكرهما الماوردي ولم ينسبهما. انظر: أدب الدنيا والدين، 50/ 1 (ش).