الجزء االتاسع والعاشر
الجزء ٨ · صفحة ٤٦٣باب 37: في رؤية هلال رمضان وهلال شعبان وأحكامهما، وقبول الشهادة وردّها
463
صوم ذلك اليوم من الثلاثين إذا غُمِّي عليهم هلال شوال. والنظر عندي يوجب ما قلنا، والدليل على ذلك أنه لا يوجب خبره العلم: أنَّهم أجمعوا على أنَّهم لو صاموا ثلاثين يوما منذ أخبرهم العدل ولم يروا الهلال؛ أنَّهم لا يفطرون، ولو كان واجبًا لكان فرضا لازما ولأجزأهم ما صاموا بخبره، فهذا يدل على أن العلم غيره.
فإن قال قائل: لم قلت بالصوم عند خبره، وكرهت إفطاره وقبلت خبره، و خبره لا يفيد علمًا؟
قيل له: إنَّما قلنا ذلك من طريق التعبد؛ لأنَّ خبر العدل واجب قبوله من طريق العبادة، وأمَّا الفرض فلا يزول بغير اليقين.
فإن قال: ما الدليل على أنَّ الله تعالى تعبّد بقبول عدل واحد من دون أن يكون معه ثان، وإنَّما أمر الله بقبول شهادة العدلين؟
قيل له: إنّ الله - وله الحمد - قد تعبَّدنا بأشياء مختلفة؛ فأما الأموال فإنَّه أمر أن لا يقبل فيها إلا قول عدلين، وفي عمل الأبدان أمر أن يقبل خبر العدل بقول الله - جل ذكره -: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)، فلما أمر بالتبيين عن خبر الفاسق علمنا أنه أمر بقبول خبر غير الفاسق.
والذي عندي أنَّ الواجب في الصيام يبتدئ بإحدى ثلاث جهات: إما رؤية هلال، رمضان أو كمال عدد، شعبان أو بخبر يوجب البيان. وقد ثبت «أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن صوم الشكٍّ»، وخبر الواحد لا يزيل الشك من قلوبنا، فإذا وجدنا ما يزيل الشكّ وجب فرض الصوم.
فإن قال قائل: فلِمَ أجزت شهادة العدل في الصوم فأوجبته بقوله، ولم تقبل قوله في الفطر؟