الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٧٨478
كتاب
الجزء الأول
لأتأذى من شدّة الحرّ، إذ سمعت صائحًا ينادي (1): يا ملاح، صوتًا بعد صوت فَلَمَّا كَثُر (2) ذلك عليَّ منه رفعت ستر الزلال فإذا شيخ حافي القدمين حاسر
الرأس على الشط، فقلت للملاح: ويحك أجبه. فقال له الملاح: ما شأنك؟ فقال له: إن الشمس أحرقت جلدي فاحملني إلى جبل، فإنَّ الله يحسن ثواب صاحبك، وتستوجب أنت شكرًا.
قال: فامتنع عليه الملاح فانتهره فقلت: ويحك تقدم فاحمله. قال: فمال إليه فحمله. فَلَمَّا أتى وقت الغذاء تذَمَّمتُ منه، فقلت: ادع هذا الشيخ فدعاه، فأجلسه معي على المائدة فأكل أكل أديب، غير أنَّ الجوع بين فيه. فَلَمَّا رفع الطعام أردت منه أن يقوم كما تقوم العامة فلَم يَفعل، فَلَمَّا أن غسلت يديَّ كَرِهت أن يُزهِم مَجلسي بزهومته، فأشرتُ إلى الغلام أن يجيئه بوضوء فتوضأ ثُمَّ أردت أن يقوم فلم يقم، فقلت: أي شيء صناعتك؟
فقال: حائك أعزّك الله. فقلت: هذا عقل الحاكة.
عن موائد الخاصة
فاستجمقته،
فقال: فتناومت ثانية، فَلَمَّا تبين ذلك مني قال: أيّ شيء تعمل، جعلت فداك، قال فقلت بليَّة، نزلت أنا، اجتنيتها، ألا ترى غلماني! ألا ترى زلالي! ألا ترى دوابي! ألم تَقُل: إنَّ مثلي لا يقال له ما صناعتك؟ ثُمَّ قلت مسألة لا بدّ
من جوابها!
قال: فقلت له على التبرُّم: كاتب أصلحك الله.
فقال: أيّ الكُتَّاب أنت، فَإِنَّهُم خمسة؟!
(1) في (س): «ينادي يصيح».
(2) في (س): كبر.