الجزء االتاسع والعاشر
الجزء ٨ · صفحة ٥٧٦576
كتاب
الجزء العاشر
قيل: أما خبر أبي هريرة فإنَّه وارد على سبب، وهو ما روي «أنَّه صلى الله عليه وسلم مرَّ برجل مظلّل بالجواشن (1) والدروع، فسأل عنه فقيل: قد أجهده الصوم، فقال: «لَيْسَ مِنَ البَرِّ الصَّيَامُ فِي السَّفَر»، يعني بالصّيام الذي يجهد به الإنسان، وكذلك نقول أيضًا: إنَّ المسافر إذا أجهده الصيام فالإفطار أفضل له. ومِمَّا يبين ذلك قوله: «إنَّ الصّيام في السفر ليس من البر» (2)، ولا خلاف أنَّه إذا لم يجهده الصيام فهو البرّ وإن كان عندهم الإفطار أفضل منه، فدل ذلك على أنَّ المراد ما ذكرنا.
وأما قوله: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر»؛ فهو محمول أيضا على من يجهده الصوم بدلالة ما ذكرناه.
وأما قوله: «ذهب المفطرون اليوم بالأجور»؛ فليس فيه اسم ذهبوا بالأجور لأجل الإفطار، فيجوز أن يكونوا قد تولوا ما لم يقم به الصائمون من القيام بمصالحهم ومصالح أصحابهم وعلوفهم دوابهم وسقيها، فأخبر بذلك.
صلے
وروي عن بعضهم أنَّه قال: إن تحامل المريض فصام أو المسافر؛ أن الصوم لا يجزئهما وعليهما القضاء، وتأوّل قول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينِ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 184)؛ وهذا تأويل من لا علم له بالعربية والأمة محمولة على ما يحمل من معناها من دون ظاهرها، وفيها معنى خفي وهو الذي تسميه أهل العربية الضمير،
جمع
(1) الْجَواشن: جَوْشَن، وهو الصدر، وقيل: ما عُرض من وسطه. والجوشن: اسم الحديد الذي يلبس من السلاح، أي: زرد يلبسه الصدر والحيزوم. وبالفارسية: نَوْعٌ من الدروع. انظر: تهذيب اللغة، التاج؛ جشن). المحكم والمحيط الأعظم، 244/ 7. (2) انظر حديث: «ليس من البر الصيام … ».