كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الحادي عشر والثاني عشر

الجزء ٩ · صفحة ٤٢١

باب 39: في النذور

421

وروي عن عمر بن الخطاب أنَّه قال: نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أَوفِ بِنَذْرِكَ» (1). فكلّ من أوجب نذرًا على نفسه في حال كفره وإيمانه كان عليه الوفاء به كما أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم على عمر بن الخطاب. وقول النبي صلى الله عليه وسلم حكم منه به عليه.

قال مخالفونا: إنّ عمر خص بذلك الحكم دون غيره؛ لأنَّ عقد الكفر لا يجب العمل به في الإسلام، كما أنَّ ما عقده الصبي على نفسه لا يلزمه بعد بلوغه، هذا خطأ كبير من قائله؛ لأنَّ الكبير مخاطب بالأمر والنهي في حال إيمانه وكفره والصبي ليس بمخاطب في حال صباه.

وأيضًا فإنَّ قوله: إنَّ عمر مخصوص بذلك خطأ أيضًا من وجه آخر؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حُكمِي عَلَى الواحدِ منكم حكمي (2) على جميعكم» (3)، فمن ادعى تخصيصا كان عليه إقامة الدليل.

وقد قال كثير من مخالفينا: إنّ الوفاء بالنذر ليس بفرض، وإن ترك الوفاء به لا يخرج صاحبه إلى معصية الله، وهذا خطأ أيضًا؛ لأنَّ ظاهر الكتاب يدلّ على وجوبه بالمدح //255 الذي مدح به من وفّى بنذره فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِهِ مِسْكِينَا وَيَتِيمَا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن زَيْنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَنطَرِيرًا﴾ (الإنسان: 7 - 10)،

(1) رواه البخاري عن ابن عمر بلفظه كتاب الاعتكاف باب الاعتكاف ليلاً، ر 1927، 714/ 2. ومسلم، مثله كتاب الأيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم، ر 1656،

1277/ 3

(2) في الأصل: حكم خ حكمي». وفي (ق): «حكم». (3) ذكره ابن قدامة: المغني، بلفظ: «الجماعة»، كتاب الجنائز، ما يفعل بالمحرم إذا مات، مسألة: 1639، 208/ 2. وابن كثير: تحفة، الطالب مثله 286/ 1. والعجلوني: كشف

الخفاء، ر 1161، 413/ 1، وقال العراقي: لا أصل له بهذا اللفظ.