الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٣٥باب 19: في وجوب التكليف
535
ليس من خَلقِ الله الخَلق استحق اسم الخالق ولا بإحداثه للبرايا استحق اسم البارئ، كيف ولا يفنيه أمد، ولا يبلغه عدد، ولا يفوته متى، ولا يقارنه مع، ولا يستميله هوى، بما يحدّ الأدوات أنفسها، وسير الآلهة إلى نظرائها، وفي الأشياء يؤخذ فاعلها افترقت الكلمة فدلَّت على مفرّقها، وتباينت فدلت على مباينها، ولها تجلّي على صانعها للعقول، ومنها ربيط الدليل، وبالأقدار مع العلم يكمل الإيمان، لا ديانة إلا بعد معرفة، ولا معرفة إلا بعد إقرار، ولا إقرار إلا بعد إخلاص، ولا إخلاص إلا بعد توحيد.
والإقرار يعصم من الإنكار، ولا ينال الإخلاص بشيء دون التوحيد، وَكُلّ ما يوجد في الخلق لا يوجد في خالقه، وَكُلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه، لا تجري عليه حركة ولا سكون، وكيف يجري عليه /112/ ما هو أجراه ويعود فيه ما هو ابتدأه.
ولا يمتنع من الأزل، معناه ولا ما كان للأزل معنى غير معنى الحدث، ولو وجد له وراء لوجد له أمام ولو يلتمس التمام للزمه النقصان، كيف يستحق الأزل من لا يمتنع الحدث، أو ينسى الأشياء من لا يمتنع من الأشياء، إذًا لقامت فيه آلة المصنوع، ولتحول دليلًا بعد أن كان مدلولا عليه، ليس في حال القول حجّة ولا في المسألة عنه جواب ولا معناه للخلق نظير (1)، بل هو الله - تبارك وتعالى - تبينت لعزّته تحقيق لامتناع الأزل من الفناء أو لا بداء له ولا انتهاء، لم يلد إذ الوالد موروث، ولم يولد إذ الولد موجود بحدوثه، ولم يكن له كفوا أحد؛ لأنَّ الكفؤ هو الضدّ المنافر والشكل المجاور، ولو كان ضد لامتنع التدبير وما تم له تقدير، وذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا وَالِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: (22) (2) تم الجواب.
(1) في (س): «ضمير مصير» وفي (ت): «نضير». (2) في النسخ: «فسبحان الله رب العالمين وهو سهو، والتصويب من سورة الأنبياء: 22.