الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٥٢كتاب
552
الجزء الأول
أنَّه لا يكلّف نفسًا إلا وسعها فوق طاقتها؛ لأنَّ الوسع في لغة العرب دونَ الطاقة، وقد أخبر الله رجل أنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها في خمسة مواضع من كتابه، وقد تأول من خالفنا في هذه الآية أقبح تأويل وأفسده مع استحالته في اللغة أيضا، فقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، معناه زعم أنَّه لا يحلّ لها، فقال هذا، كما يقال: لا يسعك، وقول القائل: هذا الذي
لا يسعك ليس من قوله ليس في وسع؛ لأنَّ الوسع دون الطاقة.
قال الشاعر:
وناقة من عتاق النوق ناجية حرف تباعد منها الزور والعضد كلفتها من الوسع من نصى لها والوسع منها دون الجهد والوجد (1) أفترى هذا القائل كلَّف ناقته ما لا يحلّ له، وأخبر أنَّه إِنَّمَا كلفها السير دون طاقتها ولم يجهدها، فقال كلّفها الوسع. وقال الله وعجَل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: (286)، ﴿إِلَّا مَا آتَنهَا﴾ (الطلاق: 7)، فمن لم يؤته لم يكلّفه، ومن لم يؤته القوة لا يأمره بالفعل.
وَمِمَّا يَدُلُّ على ذلك أيضًا السُّنَّة والإجماع على أن [من] لم يستطع أن يصلي قائما فعليه أن يصلي قاعدًا جالسًا، ومن لم يستطع أن يصلي جالسًا فعليه أن يصلي مضطجعًا، وإن لم يستطع أن يصلي مضطجعًا أومأ، فإن لم يستطع زال عنه فرض ذلك.
ومثله من لم يجد الماء فليتيمم، فإن لم يقدر على التيمم زال عنه
فرضه.
(1) في (ت): «دون الجود والوجد». البيتان من البسيط، الأول للراعي النميري في ديوانه،
53/ 1. ولم نجد من ذكر الثاني.