الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٩٢كتاب
592
كان معه،
الجزء الأول
قيل له: ليس يخلو الأمر من إحدى، حالين، إما أن يكون خلقها من أصل أو خلقها لا من شيء. فإن كان خلقها من أشياء كانت معه، فليس تخلو تلك الأشياء من أن تكون خلقت من أشياء كانت قبلها أو خلقت لا من شيء. فإن كانت خلقت لا من شيء فينبغي أن تكون الأشياء التي خلقت منها تكون أيضا لا من شيء، وإن كانت خلقت من شيء قبلها كان الكلام في ذلك الشيء كالكلام فيها، وهذا يؤول إلى الفساد وإلى ما لا يصلح ولا يجوز أن يقف عند آخره؛ لأنَّ هذا يؤدي إلى ما لا نهاية له. فإذا كان الشيء لا يتناهى ولا يوقف عند آخره لم يجهل العلم به، فَلَمَّا فسد هذا الوجه وبان بطلانه فيما بيناه صح الوجه الآخر من أنه تبارك وتعالى خلق الأشياء واخترع أعيانها، وأحدثها، وأخرجها من العدم إلى الوجود لا من شيء؛ لأنه إذا كان لا بدَّ من القول بأحد الوجهين وفسد أحدهما صح الآخر.
فإن قال: وما يدريك لعلَّ الأشياء أحدثت نفسها؟
قيل له: لو كانت أحدثت نفسها /129/ لم يخل ذلك من أحد أمرين: إما أن تكون أحدثت نفسها في حال وجودها أو في حال عدمها؛ فإن كانت أحدثت نفسها في حال وجودها فوجودها يغني عن إيجادها مرة أخرى؛ لأنَّ الموجود مستغن عن الوجود، وإنما يوجد المعدوم؛ لأنَّه يصير موجودًا بعد أن كان معدوما.
ولو كانت أحدثت نفسها في حال عدمها لكان المعدوم فاعلا، ولو كان ذلك كذلك لكان لا فرق بين الموجود والمعدوم في الفعل والإرادة، فَلَمَّا بطل أن يكون المعدوم يفعل شيئًا أو يحدث مثله؛ صح أن الأشياء إنَّما أحدثها محدثها، ونقلها من العدم إلى الوجود، موجدها، وهو الله تبارك وتعالى.